يفرض الذكاء الاصطناعي تحولًا متسارعًا على الممارسات الصحفية، بعدما بات حاضرًا في عدد من المهام اليومية، من تدقيق النصوص وتفريغ المقابلات، إلى البحث في كميات ضخمة من البيانات وتحسين جودة الصوت، بما يتيح للصحفيين اختصار الوقت ورفع كفاءة العمل داخل غرف الأخبار.
وبحسب شهادات عدد من الصحفيين السنغاليين، فإن الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي تظل مرتبطة بضرورة الحفاظ على الدور المحوري للصحفي، وعدم إسناد جوهر العملية الصحفية إلى الآلة، خاصة ما يتعلق بجمع المعلومات والتحقق من صحتها، وتحليلها ووضعها في سياقها، ثم تقديمها للجمهور بصورة مهنية وإنسانية.
ويشير مباي ندياي، الصحفي والمدير الرقمي في مجموعة «كوم ميديا»، إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في تدقيق النصوص وتوفير الوقت في ظل ضغوط العمل داخل غرف الأخبار، مؤكدًا في الوقت نفسه ضرورة المراجعة الدقيقة للمنتج النهائي، في ضوء إمكانية أن تنتج أدوات الذكاء الاصطناعي أخطاء أو معلومات مختلقة أو غير دقيقة.
ويستخدم الصحفي أمادو كيبي، من صحيفة «لو سولاي» اليومية الوطنية، أدوات الذكاء الاصطناعي في تفريغ المقابلات الطويلة والبحث داخل التقارير والوثائق الكبيرة، مع التأكيد على مراجعة النصوص التي تنتجها الآلة ومقارنتها بالتسجيلات والمصادر الأصلية والتحقق من المعلومات الواردة فيها.
أما الصحفية أنتا غاي ندوي، من مجلة «أوفشور»، فتستخدم الذكاء الاصطناعي بصورة محدودة في تدقيق النصوص المخصصة للنشر الإلكتروني، إلى جانب تحسين جودة الصوت في مقابلات الفيديو التي تتأثر بالضوضاء، مع الحرص على الحفاظ على طبيعة النص والصوت وعدم فقدان البعد الإنساني.
وفي السياق ذاته، يؤكد عبد الله نياس، الصحفي والمدرب في مركز دراسات علوم وتكنولوجيا المعلومات «CESTI» التابع لجامعة الشيخ أنتا ديوب في داكار، أن كليات الصحافة مطالبة بإدماج الذكاء الاصطناعي تدريجيًا في برامج التدريب، بالتوازي مع ترسيخ أخلاقيات استخدامه.
ويرى نياس أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون مفيدًا بصورة خاصة في مرحلة جمع المعلومات والبحث الوثائقي، إلا أن الإشراف البشري يظل ضروريًا بسبب احتمالات الخطأ والتحيز. ويحذر من أن الاعتماد الكامل على الآلة في إنتاج المحتوى قد يؤثر في علاقة الثقة بين الصحفي والجمهور، ويضعف القيمة التي تضيفها المهارات والخبرة والأسلوب الشخصي للصحفي.
ويجمع الصحفيون الذين شملتهم المقابلات على أن الذكاء الاصطناعي يمثل في الوقت نفسه فرصة وتحديًا؛ فهو يساعد على تسريع المهام الروتينية وتحسين الكفاءة، لكنه قد يؤدي، في حال الإفراط في الاعتماد عليه، إلى تراجع قدرات الصحفيين على التفكير والتحليل والكتابة والإنتاج المستقل.
وتبرز هذه التحولات الحاجة إلى وضع أطر مهنية واضحة لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الإعلامية، إلى جانب تدريب الصحفيين على التعامل معه بصورة واعية ومسؤولة.
وفي ظل قدرة الآلات المتزايدة على تصحيح النصوص وتفريغ المقابلات والبحث والتحليل وتوليد المحتوى، لم يعد السؤال يتمحور حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيدخل غرف الأخبار، وإنما حول كيفية توظيفه دون أن يفقد الصحفي جوهر مهنته، المتمثل في معالجة المعلومات والتحقق منها وفهمها ووضعها في سياقها ونقلها إلى الجمهور برؤية ومسؤولية إنسانية.