رواية “خطوات على الطريق” للكاتب الإندونيسي براموديا أنانتا تور ليست مجرد نص أدبي، بل هي نافذة على تاريخ بدايات النهضة الوطنية في جزر الهند الشرقية الهولندية. الكتاب، وهو الجزء الثالث من رباعية “بورو” الشهيرة، كتبه المؤلف خلال سنوات المنفى، لكنه أصبح من أبرز الأعمال في الأدب الإندونيسي المعاصر.
بطل الرواية “مينكي”، الشاب الجاوي المتعطش للعلم، يمثل وعياً سياسياً ناشئاً في تلك الحقبة. دراسته في “مدرسة الأطباء الجاويين” في باتافيا كشفت له أن المعرفة الغربية قد تكون سلاحاً ذا حدين: تفتح الآفاق من جهة، وتعرّي التمييز الاستعماري وقسوته من جهة أخرى.
ما يميز الرواية عن غيرها هو تصوير دور “مينكي” في الصحافة والعمل التنظيمي. فهو لم يكتفِ بدور المراقب، بل لعب دوراً محورياً في تأسيس “صحيفة ميدان برييايي”، أول جريدة باللغة الملايوية تعبر عن هموم الشعب وتكشف آلامه. ومن بين صفحات تلك الصحيفة وُلد وعي جديد، أطلق الشرارة الأولى لفكرة أن القلم يستطيع أن يكون حاداً كالسيف.
برامويديا أننتا تور
كما يلتقي مينكي في الرواية بشخصيات تاريخية مثل الدكتور “واهيدين سوديراهوسودو”، الذي كان لاحقًا مصدر إلهام لتأسيس أول منظمة وطنية حديثة في إندونيسيا. عبر هذه اللقاءات والنقاشات، تكشف الرواية أن النهضة لا تولد من فراغ بل من شجاعة قلة يجرؤون على كسر الصمت.
من الناحية الأدبية، يصوغ براموديا أسلوباً واقعياً مكثفاً يسحب القارئ إلى أجواء باتافيا في مطلع القرن العشرين، ويلمس مباشرةً التمييز العنصري والظلم القانوني وصراع السياسة. ومع ذلك، تظل الرواية مرتبطة برسالة إنسانية عامة: الاستعمار لا يسرق الأرض فحسب، بل يسلب كرامة الإنسان.
تتجاوز “خطوات على الطريق” حدود السرد التاريخي لتمنح القارئ تأملاً في كيف يمكن لصوت واحد صغير أن يشعل تحركات كبرى، وتؤكد أن الصحافة والتعليم والتنظيم ركائز جوهرية في أي مسيرة نحو الحرية. ليس من المستغرب أن يرى المؤرخون في شخصية “مينكي” صورة حقيقية لرادن تيرتو أدي سوريـو، “أب الصحافة الوطنية” في إندونيسيا.
وبالنسبة للقارئ العربي، تمنحه هذه الرواية فرصة لاكتشاف إندونيسيا من زاوية مختلفة: ليس فقط كبلد استوائي جميل، بل كأمة قاومت الاستعمار ونهضت بفضل الكلمة والعلم والجرأة. فهي تذكر دائماً أن النهضة تبدأ بخطوة صغيرة: من قلم، من صوت، ومن شجاعة التفكير.
المصدر: إندونيسيا اليوم
“خطوات على الطريق”: رواية تكشف بدايات النهضة الوطنية في إندونيسيا
100