تمثل الدرعية صفحة البداية في تاريخ الدولة السعودية، ومهد انطلاقة أمجادها السياسية والحضارية، إذ ارتبط اسمها بجذور الاستقرار في وسط الجزيرة العربية، وبقيام كيان سياسي أصبح لاحقًا نواةً لدولة امتد أثرها في التاريخ.
ففي القرن الخامس الميلادي، قدمت قبيلة بني حنيفة إلى ضفاف وادي حنيفة بقيادة عبيد بن ثعلبة، واتخذت من حجر اليمامة مستقرًا لها، لتزدهر المنطقة وتصبح من أعظم مدن اليمامة، ويتزعمها آنذاك ثمامة بن أثال الحنفي، في مرحلةٍ مبكرةٍ من تاريخ الاستقرار السياسي في المنطقة.
وشهدت وسط الجزيرة العربية أزمنةً من الفرقة والانقسام، حتى جاء تأسيس الدرعية على يد الأمير مانع بن ربيعة المريدي عام 850هـ / 1446م، لتبدأ مرحلة جديدة من التنظيم السياسي والاجتماعي، أرست ملامح “دولة المدينة” التي تميزت بها الدرعية، مستلهمةً نموذج الدولة في يثرب إبان هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي عام 1139هـ / 1727م، أسس الإمام محمد بن سعود الدولة السعودية الأولى، واتخذ من الدرعية عاصمةً لها، لتغدو مركزًا سياسيًا واقتصاديًا وعلميًا مؤثرًا، واستمرت حتى عام 1233هـ / 1818م. وبعدها أعاد الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود تأسيس الدولة السعودية الثانية عام 1240هـ / 1824م، متخذًا من الرياض عاصمةً لها، ومواصلًا نهج ترسيخ الأمن والعدل ووحدة الصف.
وعقب مرحلة من الاضطراب السياسي، استرد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود مدينة الرياض في الخامس من شوال عام 1319هـ الموافق 15 يناير 1902م، ليبدأ مسيرة توحيد البلاد، التي تُوِّجت في 23 سبتمبر 1932م بإعلان توحيد المملكة العربية السعودية تحت راية التوحيد.
وخلال عهد الإمام محمد بن سعود ومن بعده، أصبحت الدرعية حاضرةً مترامية الأطراف ومركز جذب اقتصادي وثقافي، واحتضنت معالم تاريخية بارزة مثل حي الطريف، أحد أكبر الأحياء الطينية في العالم، والمسجل في قائمة التراث الإنساني بمنظمة اليونسكو، إضافة إلى حي غصيبة ومنطقة البجيري ووادي حنيفة.
واليوم، وفي عهد خادم الحرمين الشريفين سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وبمساندة سمو ولي عهده محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، تواصل المملكة مسيرة البناء والتنمية في ظل رؤية المملكة 2030، مستلهمةً من الدرعية روح التأسيس، ومن تاريخها جذوة الانطلاق نحو المستقبل.