مع إشراقة يوم التروية وبدء توافد حجاج بيت الله الحرام إلى مشعر منى، تتجسد واحدة من أعظم صور إدارة الحشود والتنظيم الموسمي في العالم، حيث تتحول منى خلال أيام الحج إلى مدينة متكاملة تعمل بمنظومة تشغيلية وتقنية متقدمة تستوعب أكثر من 2.6 مليون حاج وسط مستويات عالية من الكفاءة والانسيابية.
ويمتد مشروع الخيام المطورة في مشعر منى على مساحة تتجاوز 2.5 مليون متر مربع، وفق أعلى معايير السلامة والأمان، في وقت تواصل فيه المملكة العربية السعودية تطوير المشاعر المقدسة عبر مشروعات نوعية تستهدف “أنسنة المشاعر” وتحسين جودة الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن.
وتعتمد منظومة التشغيل في منى على شبكة متكاملة تشمل أنظمة التفويج الذكية، وممرات المشاة، والتحكم اللحظي في حركة الحشود، إضافة إلى الخدمات الصحية والأمنية والغذائية، ما جعل المشعر نموذجًا عالميًا متفردًا في إدارة التجمعات البشرية الكبرى.
وشهد موسم حج 1447هـ تنفيذ عدد من المشاريع التطويرية البارزة، من بينها مشروعات الإسكان المطور مثل “رابية كدانة” و”مخيمات كدانة الخيف”، التي وفرت مساحات سكنية حديثة بالقرب من منشأة الجمرات، مع حلول هندسية متقدمة في التهوية والتظليل وتسهيل الحركة.
وتواصل منشأة الجمرات أداء دورها المحوري باعتبارها واحدة من أعظم المنشآت الهندسية عالميًا لإدارة الحشود، عبر منظومة تفويج دقيقة وجسر متعدد الطوابق قادر على استيعاب مئات الآلاف من الحجاج في الساعة، مدعومًا بمداخل ومخارج ومنحدرات صُممت لتقليل الازدحام وضمان سلامة الحجيج.
وفي الجانب الميداني، أعلنت وزارة الحج والعمرة اكتمال جاهزيتها التشغيلية، بعد تدريب أكثر من 30 ألف كادر على الحلول الرقمية وإدارة العمليات الميدانية، إلى جانب تنفيذ تجارب فرضية لقياس الجاهزية ورفع كفاءة الإجراءات.
كما عززت وزارة الصحة وهيئة الهلال الأحمر السعودي خدماتهما الصحية والإسعافية عبر آلاف الكوادر والمركبات الإسعافية والطائرات الطبية، فضلًا عن انتشار مئات النقاط الإسعافية في المشاعر المقدسة لخدمة الحجاج على مدار الساعة.
وفي مسجد الخيف، كثفت وزارة الشؤون الإسلامية تجهيزاتها عبر منظومات تبريد ذكية وشاشات توعوية وخدمات متكاملة، بما يرفع الطاقة الاستيعابية للمسجد ويحسن تجربة المصلين والحجاج.
وتؤكد هذه الجهود المتكاملة حرص المملكة على تسخير التقنية والإمكانات البشرية لخدمة ضيوف الرحمن، وتحويل رحلة الحج إلى تجربة أكثر أمانًا وراحة وانسيابية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تطوير منظومة الحج والارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للحجاج.