تواصل مهنة السقاية في الحرمين الشريفين حضورها التاريخي بوصفها واحدة من أعرق المهن المرتبطة بخدمة الحجاج والمعتمرين، حيث شكّلت عبر القرون نموذجًا فريدًا للعناية بضيوف الرحمن، وامتدادًا لقيم الكرم والرعاية التي ارتبطت بالحرمين الشريفين منذ فجر الإسلام.
وترتبط مهنة “السقّاؤون الزمازمة” تاريخيًا بحفر بئر زمزم على يد عبدالمطلب بن هاشم، جد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قبل أن تنتقل مهمة السقاية إلى ابنه العباس رضي الله عنه، ويقرّها النبي الكريم بعد فتح مكة، لتصبح إحدى أبرز المهام الخدمية المرتبطة بالحج والعمرة.
وشهدت المهنة عبر العصور الإسلامية تطورًا مستمرًا، حتى حظيت في العهد السعودي بتنظيم رسمي وإداري ضمن نظام إدارة الحج الصادر عام 1345هـ، بما يعكس اهتمام المملكة بتنظيم الخدمات المقدمة لقاصدي بيت الله الحرام، وفق أعلى معايير الجودة والرعاية.
واعتمد الزمازمة قديمًا على وسائل تقليدية متوارثة، حيث كانوا يجلبون ماء زمزم المبارك ويخزنونه داخل أزيار ودوارق فخارية كبيرة، يتم تبخيرها بالمستكة والكادي وماء الورد الطائفي، لإضفاء رائحة زكية على المياه قبل توزيعها داخل المسجد الحرام والمشاعر المقدسة.
كما خصص لكل زمزمي موقع داخل الحرم لوضع دوارقه المميزة بعلامات خاصة تحفظها من الاختلاط أو الضياع، في مشاهد وثقتها الصور التاريخية المحفوظة في أرشيف دارة الملك عبدالعزيز، والتي أظهرت سقاة زمزم وهم يحملون الدوارق والطاسات لخدمة الحجاج والمعتمرين.
وفي المسجد النبوي، تولى السقاؤون تزويد السقايات بالمياه وملء الدوارق المنتشرة داخل الأروقة، إضافة إلى إيصال ماء زمزم إلى مساكن الحجاج بالتنسيق مع المطوفين، في صورة إنسانية تعكس حجم العناية التاريخية بضيوف الرحمن.
وتواصل المملكة العربية السعودية اليوم تطوير منظومة سقيا زمزم عبر أحدث تقنيات التعبئة والتوزيع الذكي، بما يضمن توفير المياه المباركة بأعلى معايير السلامة والجودة، امتدادًا لمسيرة تاريخية طويلة في خدمة الحجاج والمعتمرين.