أكد الأستاذ الدكتور عمرو الليثي، رئيس اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي (OSBU)، أن الإعلام لم يعد مجرد ناقل للأحداث أو مراقب لمنظومة ريادة الأعمال، بل أصبح شريكًا أصيلًا في بناء قصص النجاح وصناعة الفرص وربط الأفكار بالمستثمرين والأسواق، مشددًا على أن الذكاء الاصطناعي فتح آفاقًا جديدة لتعزيز الابتكار وتحويل الأفكار إلى مشروعات مستدامة.
جاء ذلك خلال كلمته بعنوان “From Storytelling to Startups: How Media and AI Shape the Entrepreneurial Ecosystem”، والتي ألقاها أمام منتدى البركة للاقتصاد الإسلامي، حيث تناول فيها دور الإعلام والذكاء الاصطناعي في دعم ريادة الأعمال والشركات الناشئة في دول منظمة التعاون الإسلامي.
وفيما يلي نص الكلمة:
“From Storytelling to Startups: How Media and AI Shape the Entrepreneurial Ecosystem”
من السردية القصصية إلى نجاح منظومة الشركات الناشئة: كيف تتحول الفكرة إلى قصة تُلهم وتتحقق وتنجح
دور الإعلام والذكاء الاصطناعي في تعزيز ريادة الأعمال والشركات الناشئة للشباب في دول منظمة التعاون الإسلامي
المحور الأول: التقاطع بين الإعلام والذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال
في عالم ريادة الأعمال، يبرز مصطلح ecosystem مشيرًا إلى المنظومة المتكاملة من الجهات والعوامل التي تعمل معًا لدعم الابتكار وريادة الأعمال، لتكوين بيئة مساعدة على تحويل الأفكار إلى مشاريع ناجحة. سأطلق عليها هنا “منظومة الابتكار”.
إن دعم ريادة الأعمال لم يعد يقتصر على التمويل أو التدريب فقط، بل أصبح الإعلام شريكًا أساسيًا في بناء قصص النجاح وربط الأفكار بالفرص.
فالإعلام ليس مجرد مراقب لهذه المنظومة، بل جزءًا أصيلًا منها، رابطًا بين المبتكرين والمستثمرين والجمهور، ومسهمًا في بناء الثقة ونشر قصص النجاح.
ما الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات الإعلامية في دعم رواد الأعمال الشباب؟
كي أجيب على هذا السؤال، أريد أن أطرحه بصيغة أخرى: كيف يصبح الإعلام جزءًا من منظومة ريادة الأعمال؟
إن المؤسسات الإعلامية تمتلك اليوم ثلاث وظائف استراتيجية:
الأولى: صناعة الوعي، من خلال ترسيخ ثقافة المبادرة والابتكار وتحويل ريادة الأعمال من خيار فردي إلى ثقافة مجتمعية.
الثانية: بناء الثقة، لأن المستثمرين والشركاء والأسواق يتخذون قراراتهم في كثير من الأحيان بناءً على الصورة الذهنية والمصداقية التي يسهم الإعلام في تشكيلها.
الثالثة: الربط بين أطراف المنظومة؛ فالإعلام يمثل منصة تجمع بين المبتكرين والممولين والجامعات وصناع السياسات والأسواق.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تزداد أهمية هذا الدور، فامتلاك الأفكار غير مؤثر إذا لم نستطع إيصالها، وهنا يصبح السرد القصصي أحد أهم العناصر للمشروع الناشئ.
أرى أن الإعلام لم يعد مجرد ناقل لقصص النجاح، بل أصبح شريكًا في خلق الفرص وتسريع النمو وتعزيز الاستدامة داخل منظومة ريادة الأعمال.
المحور الثاني: هل يمكن للإعلام أن يساهم في جذب الاستثمارات للشركات الناشئة؟
الاستثمار يتدفق إلى حيث توجد الثقة، والثقة تتشكل من خلال التواصل الفعّال والإعلام المسؤول.
أؤكد هنا أن الإعلام أصبح أحد مكونات رأس المال غير المادي الذي يساهم في خلق القيمة الاقتصادية وتحفيز الاستثمار، فهو لا يجذب الاستثمار بشكل مباشر، لكنه يهيئ البيئة التي تجعل الاستثمار ممكنًا.
وفي الاقتصاد الرقمي، نرى أن القيمة السوقية للعديد من الشركات ترتبط بقدرتها على بناء الثقة والظهور والتأثير بقدر ارتباطها بأصولها المادية.
لذلك فإن:
- التغطية الإعلامية المهنية
- السرد القصصي الفعّال
- وإظهار الأثر المجتمعي والاقتصادي للمشروع
كلها عوامل تساهم في إبراز الشركات الناشئة أمام المستثمرين والشركاء.
وبالتالي، فإن الإعلام قادر على جذب الاستثمارات ليس فقط إلى قطاع بعينه، بل إلى دول بأكملها عندما ينجح في إبراز منظومة الابتكار وفرص النمو المستدامة.
المحور الثالث: الدور المستقبلي لاتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي
يمتلك اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي ميزة فريدة لا تتوافر لكثير من المؤسسات، وهي قدرته على الربط بين 57 دولة بمؤسساتها الإعلامية والشركاء الاستراتيجيين.
لذا يمكن للاتحاد أن يلعب دورًا محوريًا في دعم المنظومة المتكاملة لريادة الأعمال والابتكار لشبابنا في العالم الإسلامي.
وفي رأيي، فإن القيمة الحقيقية التي يمكن أن يقدمها الاتحاد تكمن في تحويل الإعلام من منصة لنقل أخبار ريادة الأعمال إلى منصة للتمكين والتواصل والتأثير.
إن منظمة التعاون الإسلامي نفسها تمثل نموذجًا جديرًا بالاحتذاء في بناء منظومات العمل المستدامة، فهي شبكة متكاملة من الأذرع المتخصصة في مجالات التمويل والتنمية والتجارة والتعليم والعلوم والشباب والإعلام.
يمكن تلخيص دور الاتحاد في النقاط التالية:
- تنمية القدرات البشرية من خلال أكاديمية التدريب في مجالات الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي والاتصال والابتكار.
- إطلاق برامج ومنصات إعلامية متخصصة لدعم رواد الأعمال والشركات الناشئة.
- إبراز قصص النجاح وتحويلها إلى نماذج ملهمة للشباب.
- ربط رواد الأعمال بالمستثمرين والشركاء عبر الشبكة الإعلامية.
- الترويج للفرص الاستثمارية والمشروعات الواعدة في الدول الأعضاء.
- دعم السرد القصصي للمشروعات الناشئة.
- تسليط الضوء على فرص التمويل والتمكين.
- توظيف الذكاء الاصطناعي والإعلام الرقمي لتعزيز الابتكار والاستدامة.
المحور الرابع: دور الإعلام في الإدماج والشمول
يلعب الإعلام دورًا محوريًا في تمكين المرأة والشباب، لأنه لا يكتفي بنقل الواقع بل يساهم في تشكيله.
فعندما يسلط الضوء على النماذج الناجحة من النساء والشباب، فإنه يخلق قدوات ملهمة ويعزز الثقة والطموح لدى الأجيال الجديدة.
كما يسهم في إتاحة المعرفة والفرص من خلال نشر المعلومات حول التدريب والتمويل والأسواق والتقنيات الحديثة.
وفيما يتعلق بدور المنصات الرقمية في تقليل فجوة الفرص بين الدول، فإنها لا تلغي الفوارق فحسب، بل تحول البعد الجغرافي من عائق إلى فرصة، وتمنح الموهبة القدرة على الوصول إلى العالم أينما كانت.
وقد أتاحت أدوات الذكاء الاصطناعي:
- تسريع إنتاج المحتوى وتخصيصه
- تحليل البيانات واستخراج الاتجاهات
- الترجمة الفورية متعددة اللغات
- إنتاج محتوى بصري وصوتي
- رفع كفاءة الأرشفة والبحث
- تعزيز التفاعل مع الجمهور
- دعم التحقق من المعلومات
- خفض التكاليف وإتاحة الفرص للمؤسسات الناشئة
إن مستقبل ريادة الأعمال لا يُبنى بالتمويل وحده، بل بمنظومة ابتكار متكاملة، يشكل فيها الإعلام قوة تمكين حقيقية قادرة على بناء الثقة وإبراز الفرص وربط رواد الأعمال بالمستثمرين والأسواق.
ومع ما يتيحه الذكاء الاصطناعي من أدوات جديدة للإبداع والنمو، تزداد قدرة الشباب على تحويل أفكارهم إلى مشروعات ذات أثر مستدام.
وفي هذا الإطار، يواصل اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي، من خلال أكاديمية أوسبو وشبكته الإعلامية الواسعة، دوره المحوري في تعزيز ريادة الأعمال بين الشباب، انطلاقًا نحو بناء اقتصاد أكثر ازدهارًا ومجتمعات أكثر استدامة في دولنا الإسلامية.