يمثل موقع خربة التنُّور في جنوب الأردن شاهدًا أثريًا بارزًا على حضارة الأنباط التي ازدهرت خلال الفترة الممتدة ما بين القرنين الأول قبل الميلاد والأول للميلاد، حيث يجسّد هذا الموقع، القائم على سفح جبل مطل على الوديان المحيطة، التصور الديني والروحي للأنباط، الذين اعتادوا اختيار الأماكن المرتفعة لبناء معابدهم، انسجامًا مع قدسية المكان وتفاعل الطقوس الدينية مع الطبيعة.
وبُنيت خربة التنُّور على أحد طرق القوافل التجارية القديمة، ما يعكس أهميتها الدينية والفنية في آن واحد، إذ تشير التماثيل والنقوش الصخرية المكتشفة فيه إلى أنه كان مركزًا للشعائر والطقوس الدينية، وربما مقصدًا للحج المحلي، في فترة شهدت اتساع نفوذ مملكة الأنباط شمالًا وشرقًا.
ويتكوّن الموقع من بقايا معبد نبطي يتميز بتصميم معماري مختلف عن المعابد الكلاسيكية المعروفة في العمارة النبطية، حيث لم يُشيد على بناء ضخم متكامل، بل اعتمد على منصات حجرية ومذابح ونقوش منحوتة بعناية فائقة، ما يبرز خصوصية الطابع الديني والفني للمكان.
وتلفت خربة التنُّور الأنظار بجماليات الزخارف الحجرية التي تمثل آلهة نبطية ورموزًا دينية متعددة، من بينها رؤوس بشرية ذات ملامح صارمة ووجوه تجريدية، إلى جانب نقوش نباتية وهندسية تعكس الحس الفني المتقدم لدى الأنباط.
ويرجح الباحثون أن اسم “التنُّور” يحمل دلالات رمزية مرتبطة بطقوس النار أو القرابين، وهي ممارسات شائعة في الديانات القديمة، حيث ارتبطت النار بالتطهير والتقرب من الآلهة. ورغم غياب النصوص المكتوبة التي توضح طبيعة هذه الطقوس، فإن اللقى الأثرية وطبيعة الموقع تتيح تصورًا عامًا للاحتفالات التي يُعتقد أنها كانت تُقام فيه، مثل طقوس الخصب والمطر وحماية القوافل التجارية.
وشهد الموقع اهتمامًا علميًا متزايدًا منذ النصف الثاني من القرن الماضي، عقب إجراء حفريات أثرية كشفت عن عدد كبير من القطع المنحوتة، نُقل بعضها إلى المتاحف، فيما بقي جزء منها في الموقع. وأسهمت هذه الاكتشافات في تسليط الضوء على الدور الحضاري للأنباط، انطلاقًا من عاصمتهم البترا، المصنفة ضمن عجائب الدنيا السبع الجديدة.
كما عُثر في الموقع على منحوتات حجرية ذات طابع تجريدي، تركز على التعبير الرمزي أكثر من الواقعية الدقيقة، إضافة إلى مذابح حجرية وزخارف نباتية وهندسية تعكس تأثر الفن النبطي بالبيئة المحلية وبالتقاليد الهلنستية والرومانية، ولكن برؤية فنية خاصة فرضتها طبيعة حياة الأنباط.
وإلى جانب المعالم المعمارية، كشفت البعثات الأثرية عن لقى صغيرة، مثل الشظايا الفخارية والأدوات الحجرية البسيطة، التي يُرجح استخدامها في الطقوس الدينية أو من قبل القائمين على خدمة المعبد، وقد نُقلت أبرز هذه القطع إلى المتاحف الأردنية للحفاظ عليها ومواصلة دراستها.
خربة التنُّور.. شاهد حي على حضارة الأنباط جنوب الأردن
1