يمثل شهر رمضان المبارك في تونس مناسبة دينية واجتماعية مميزة، تتجدد خلالها طقوس متوارثة تعكس عمق ارتباط التونسيين بقيمهم الروحية وتقاليدهم الثقافية. ويشهد نسق الحياة اليومية تغيّرًا واضحًا ليطغى عليه طابع التعبد والتضامن والتلاقي العائلي.
وتبرز خلال الشهر الكريم مظاهر التكافل الاجتماعي بشكل لافت، إذ تتكثف المبادرات الخيرية وتتوسع موائد الإفطار الجماعية التي ينظمها الصائمون لفائدة المحتاجين وعابري السبيل، في صورة تجسد روح التآزر والتراحم التي تميز المجتمع التونسي.
وتتحول مائدة الإفطار إلى موعد يومي جامع يعزز الروابط الأسرية، وتتميز بأطباق تقليدية متجذرة في الثقافة المحلية، بينما يظل تقليد “بوطبيلة“، المسحّر الذي يجوب الأحياء قبيل الفجر حاملاً الطبل لإيقاظ السكان لتناول وجبة السحور، من أبرز المظاهر الرمضانية الراسخة في الذاكرة الجماعية، حيث يردد عبارات وأدعية شعبية تعكس روح الألفة بين الجيران. ومن بين الأطعمة المفضلة خلال وجبة السحور يبرز طبق المسفوف كرمز للهوية الغذائية التقليدية.
مع حلول الليل، تشهد المساجد إقبالًا واسعًا لأداء صلاة التراويح وختم القرآن الكريم، ويبرز جامع الزيتونة في مقدمة المساجد التي يزدحم بها المصلون. وفي الوقت ذاته، تنبض الساحات العامة بالحياة، حيث يجتمع الأصدقاء والعائلات في أجواء رمضانية مفعمة بالود.
كما تحتضن عدة مدن تونسية فعاليات ثقافية وفنية متنوعة، تشمل عروض المألوف والموسيقى الصوفية، ما يعكس ثراء الموروث الثقافي المرتبط بهذه المناسبة. ويحظى منتصف الشهر، المعروف بـ**”ليلة النص”**، إلى جانب “ليلة القدر“، بمكانة خاصة لدى التونسيين، حيث تتكثف الزيارات العائلية وتقام المناسبات الاجتماعية بالتوازي مع إقبال واسع على المساجد لإحياء هذه الليالي المباركة.
يبقى شهر رمضان في تونس مناسبة تتجسد فيها قيم الروحانية والتكافل الاجتماعي، وتحافظ من خلالها الأجيال على تقاليدها المتوارثة، في مشهد يعكس خصوصية التجربة الرمضانية في البلاد واستمرارية موروثها الثقافي عبر الزمن.