يحظى شهر رمضان بمكانة خاصة في قلوب المسلمين في منطقة بلاد الشام، إذ يستقبلونه بلهفة وشوق قبل أيام من تحري الهلال وإعلان قدوم الشهر الفضيل. وتضم هذه المنطقة كلاً من الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان، وهي دول يجمعها إرث ثقافي واجتماعي متقارب ينعكس بوضوح في العادات الرمضانية التي توارثتها الأجيال عبر الزمن.
ومع اقتراب حلول الشهر الكريم تتجدد مظاهر التكافل الاجتماعي وتزدهر العلاقات الإنسانية، فيما تكتسي المدن والقرى بحلّة نابضة بالحياة تمتزج فيها الروحانية بالعادات والتقاليد الشعبية الراسخة.
وتبدأ الاستعدادات لرمضان قبل أيام من قدومه، حيث تزدحم الأسواق بالمتسوقين لشراء مستلزمات الشهر من المواد الغذائية والحلويات والمشروبات. كما يحرص كثيرون على اقتناء الزينة الرمضانية لتزيين المنازل والشوارع بالفوانيس والأهلة، ما يضفي أجواءً من البهجة والسرور على الأحياء.
وتبدو هذه المظاهر أكثر وضوحًا في المدن القديمة والمواقع التاريخية، حيث تُضاء الشوارع وتُعلَّق الزينة فوق المتاجر والمقاهي، بينما تتداخل أصوات الباعة في الأسواق وهم يعرضون السلع المرتبطة بالشهر الفضيل، في مشهد يعكس ارتباط المجتمع الشامي برمضان وحرصه على التعبير عن فرحته بقدومه.
ومن أبرز العادات الرمضانية في المنطقة تقليد المسحراتي، الذي ما يزال حاضرًا في كثير من الأحياء، حيث يجوب شخص حسن الصوت الأزقة قبيل وقت السحور قارعًا طبله بإيقاع مميز ومرددًا الأدعية والعبارات التراثية. وفي بعض الأحيان ينادي السكان بأسمائهم، في صورة تعكس عمق الروابط الاجتماعية واستمرار هذا التقليد التراثي رغم التطور التكنولوجي ووسائل التنبيه الحديثة.
ومع اقتراب موعد أذان المغرب، تهدأ حركة المدن تدريجيًا، ويعود الناس إلى منازلهم استعدادًا لتناول وجبة الإفطار التي تبدأ عادة بالتمر والماء اقتداءً بسنة النبي محمد ﷺ، ثم تتبعها أطباق تقليدية تشتهر بها المنطقة.
وتتميز المائدة الرمضانية الشامية بتنوع كبير في الأطعمة، إذ تنتشر الشوربات والسلطات المعروفة مثل الفتوش والتبولة وبابا غنوج والمتبل، إلى جانب الأطباق الرئيسة المعتمدة على اللحوم والخضراوات.
وفي الأردن يُعد المنسف من أبرز الأطباق التي تحضر في المناسبات الرمضانية والاجتماعات العائلية، بينما تشتهر فلسطين بطبق المسخّن الذي يتصدر المطبخ الفلسطيني. أما في سوريا فتتصدّر الكبة بأنواعها مائدة الإفطار، في حين تحضر في لبنان أطباق مثل الصفيحة باللحم والمحاشي وورق العنب.
ولا تكتمل المائدة الرمضانية في بلاد الشام من دون الحلويات التقليدية، وفي مقدمتها القطايف التي تتنوع حشواتها بين الجبن والمكسرات، إلى جانب الكنافة والبقلاوة التي يزداد الإقبال عليها خلال الشهر الفضيل.
وبعد الإفطار تتجه العائلات إلى الأسواق الشعبية التي تتحول في ليالي رمضان إلى فضاءات نابضة بالحياة، حيث يتنزه الناس ويتسوقون ويشترون الحلويات والمشروبات الرمضانية مثل قمر الدين والجلاب وعرق السوس.
ومن أبرز الأسواق التي تشهد حركة نشطة خلال الشهر الكريم سوق الحميدية في دمشق، إلى جانب أسواق بيروت، وأسواق البلدة القديمة في القدس، وأسواق وسط البلد في عمّان.
كما يتوجه المصلون بعد الإفطار إلى المساجد لأداء صلاة التراويح، حيث تمتلئ دور العبادة بالمصلين وتسود أجواء من الخشوع والسكينة. وفي القدس يكتسب رمضان طابعًا روحانيًا خاصًا، إذ يقصد آلاف المصلين المسجد الأقصى لأداء الصلوات، خاصة في العشر الأواخر من الشهر الفضيل.
ولا تقتصر أجواء رمضان في بلاد الشام على العبادات، بل تمتد إلى السهرات العائلية والاجتماعية التي تجمع الأهل والأصدقاء بعد صلاة التراويح في المنازل والمقاهي، حيث يتبادلون الأحاديث ويحتسون القهوة والشاي أو يمارسون بعض الألعاب الشعبية مثل الطاولة والوَرَق.
ويُعد رمضان كذلك موسمًا للخير والعطاء، إذ تنشط الجمعيات الخيرية وتكثر المبادرات المجتمعية لمساعدة الفقراء والمحتاجين. كما تُقام موائد إفطار جماعية في بعض الأحياء والمساجد والأسواق، ويحرص الناس على التبرع بالمواد الغذائية والملابس، في مشهد يعكس روح التضامن الإنساني التي يتميز بها المجتمع.
وتبلغ الأجواء الروحانية ذروتها في العشر الأواخر من رمضان، حيث يحرص كثير من المسلمين على الاعتكاف في المساجد وإحياء الليالي بالعبادة وقراءة القرآن الكريم.
ومع اقتراب نهاية الشهر الفضيل تبدأ الاستعدادات لاستقبال عيد الفطر، فيتوجه الناس إلى الأسواق لشراء الملابس الجديدة وحلويات العيد، بينما تنشغل الأسر بإعداد الحلويات التقليدية التي تقدم للضيوف، إلى جانب إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد لمساعدة الفقراء وتمكينهم من مشاركة الجميع فرحة المناسبة.
رمضان في بلاد الشام.. روحانية العبادة ودفء العادات الاجتماعية
7