نظم اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي محاضرة فكرية موسعة بعنوان “الذكاء الاصطناعي: فلسفة، تحديات وقيم”، وذلك برئاسة الدكتور عمرو الليثي رئيس الاتحاد، وشهدت الفعالية حضور عدد من الشخصيات البارزة، من بينهم الدكتور أسامة رسلان المتحدث الرسمي لوزارة الأوقاف المصرية، إلى جانب عدد من القيادات الإعلامية والدينية والأكاديمية من الدول الأعضاء في الاتحاد.
وأدار الحوار الإعلامي الأستاذ الكبير عصام الأمير – وكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بجمهورية مصر العربية، في جلسة اتسمت بالحوار العميق والعصف الذهني حول مستقبل الذكاء الاصطناعي ودوره في إعادة تشكيل المشهد الإعلامي والمعرفي عالميًا.
في المحاضرة قدّم معالي الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري رؤية عميقة وشاملة حول التحولات الجذرية التي يشهدها العالم في ظل الثورة المتسارعة للذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن البشرية تقف اليوم أمام منعطف تاريخي جديد يعيد تشكيل المعرفة والوعي الإنساني.
وكان أبرز ما جاء في الندوة:
الذكاء الاصطناعي… الموجة الرابعة في تاريخ المعرفة
استهل الدكتور الأزهري محاضرته بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي يمثل الموجة الرابعة من تطور المعرفة البشرية، بعد ثلاث موجات كبرى تمثلت في:
- اختراع الطباعة
- ظهور التلفزيون
- انتشار وسائل التواصل الاجتماعي
وأوضح أن كل موجة من هذه الموجات أحدثت تحولًا جذريًا في وعي الإنسان وسلوكه، إلا أن الذكاء الاصطناعي يتجاوزها جميعًا من حيث السرعة والعمق والتأثير، إذ لا يقتصر دوره على نقل المعرفة، بل يمتد إلى إنتاجها وتحليلها وإعادة تشكيلها.
صناعة ثقيلة… تقوم على ثلاث ركائز
وأكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أدوات رقمية، بل أصبح صناعة عالمية ضخمة ترتكز على ثلاثة عناصر رئيسية:
- الطاقة: لما تتطلبه مراكز البيانات من استهلاك هائل
- الخوارزميات: التي تمثل العقل البرمجي للتقنية
- أشباه الموصلات: كقاعدة مادية للصناعة
وأشار إلى أن هذه الركائز تشكل محور صراع عالمي محتدم بين القوى الكبرى، ما يعكس الأهمية الاستراتيجية لهذه التكنولوجيا.
من أداة إلى كيان تفاعلي
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد محرك بحث، مثل ChatGPT، بل أصبح كيانًا تفاعليًا قادرًا على:
- تحليل سلوك المستخدم
- التفاعل معه بشكل شخصي
- تقديم إجابات تتوافق مع ميوله واهتماماته
وحذر من أن هذا التطور قد يؤدي إلى تشكيل وعي الإنسان بصورة غير مباشرة، إذا لم يكن واعيًا بطبيعة هذه الأنظمة.
تحديات معرفية ونفسية
تناولت المحاضرة أبرز التحديات التي تفرضها هذه الثورة، ومن أهمها:
🔹 الانبهار المعرفي:
حيث قد يشعر الإنسان بالعجز أمام الكم الهائل من المعلومات، مما يؤدي إلى تراجع ثقته بقدراته.
🔹 التخمة المعلوماتية:
نتيجة التدفق الهائل للبيانات، بما يفوق قدرة العقل على التحليل والاستيعاب.
🔹 التعلق النفسي بالتقنية:
بسبب الطابع التفاعلي الإنساني الذي تحاكيه هذه الأنظمة.
وأكد الأزهري أن هذه التحديات قد تؤدي إلى ما وصفه بـ”الهزيمة النفسية”، إذا لم يتم التعامل معها بوعي.
تجربة عملية لبناء معرفة آمنة
واستعرض تجربة وزارة الأوقاف المصرية في تطوير منصة ذكاء اصطناعي تقدم محتوى دينيًا موثوقًا، موضحًا أن المشروع تطلب:
- بناء قاعدة بيانات ضخمة تضم مئات الآلاف من الكتب
- تنقيح المحتوى واختياره بعناية
- تحويله إلى صيغة قابلة للمعالجة الذكية
وأكد أن إنتاج معرفة آمنة في عصر الذكاء الاصطناعي يمثل تحديًا حضاريًا حقيقيًا، وليس مجرد مهمة تقنية.
الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات
وشدد على أن التقدم التكنولوجي يجب أن يُواكب بمنظومة أخلاقية واضحة، خاصة في المجال الإعلامي، الذي يتأثر بشكل مباشر بهذه التحولات.
ودعا إلى صياغة مواثيق أخلاقية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحافظ على القيم الثقافية والدينية، وتمنع الانحرافات المرتبطة بالمحتوى المضلل أو التلاعب بالمعلومات.
دعوة إلى الجرأة والانخراط
وأكد الأزهري أن التحدي الأكبر لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في قدرة الإنسان على مواكبتها، داعيًا إلى:
- الجرأة في التعلم
- الانفتاح على العالم
- التعمق في فهم هذه التقنيات
مستشهدًا بتجارب علماء الأمة، ومنهم حسن العطار، الذي دعا إلى فهم العلوم الحديثة، وأبو حامد الغزالي، الذي أكد أهمية خوض المعارف المختلفة بشجاعة ووعي.
نحو عقل جمعي مشترك
وفي ختام المحاضرة، أكد أن ما شهده اللقاء من تفاعل يعكس أهمية العقل الجمعي في مواجهة تحديات العصر، مشيرًا إلى أن تكامل الخبرات بين الدول والمؤسسات يمثل السبيل الأمثل لبناء مستقبل معرفي متوازن.
كما أشاد بالمداخلات التي طرحها المشاركون، ومن بينهم عصام الأمير، والتي تناولت قضايا محورية، مثل دور الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وحدود تأثيره على وعي الإنسان.
رسالة ختامية
اختتم الدكتور أسامة الأزهري محاضرته برسالة واضحة مفادها أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة تاريخية وتحديًا وجوديًا في آن واحد، وأن التعامل معه يتطلب:
- وعيًا عميقًا
- توازنًا فكريًا
- التزامًا أخلاقيًا
مؤكدًا أن المستقبل لن ينتظر المترددين، بل سيكون لمن يمتلكون القدرة على الفهم، والتفاعل، وصناعة المعرفة.