الرياض في 12 سبتمبر /قنا/ تواجه اللغة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي تحديا يتجاوز الحفاظ على مكانتها التاريخية والحضارية، ليمتد إلى تعزيز حضورها الفاعل في البيئة الرقمية، وتحويل ثروتها اللغوية والثقافية إلى موارد رقمية قادرة على دعم إنتاج المعرفة وتطوير التقنيات الحديثة.
ورغم أن العربية يتحدث بها أكثر من 400 مليون شخص، وترتبط بنحو ملياري مسلم بوصفها لغة القرآن الكريم، فإن حضورها على شبكة الإنترنت لا يزال محدودا؛ إذ لا تتجاوز نسبة المواقع التي تقدم محتواها باللغة العربية 0.6 بالمئة من إجمالي مواقع الويب عالميا، بما يعكس فجوة بين الثقل الديموغرافي والحضاري للغة وحضورها الرقمي.
ويؤكد مختصون أن هذه الفجوة تمثل تحديا مباشرا أمام تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغة الطبيعية، التي تعتمد بصورة أساسية على وفرة البيانات وجودتها وتنوعها، ما يجعل إثراء المحتوى العربي وتطوير موارده اللغوية ضرورة استراتيجية لتعزيز قدرة العربية على المنافسة في الاقتصاد المعرفي.
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور عبدالله الفيفي، رئيس قطاع الحوسبة اللغوية بمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، أن حماية العربية في العصر الرقمي لم تعد تقتصر على المحافظة عليها ونشر الوعي بأهميتها، وإنما أصبحت مرتبطة بقدرتها على الحضور الفاعل في البيئة الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن هذه المرحلة تتطلب إنتاج محتوى عربي موثوق، وتطوير الموارد اللغوية الرقمية، وتأهيل المعلمين والباحثين، وتعزيز استخدام العربية في التعليم والبحث والإنتاج المعرفي، إلى جانب بناء شراكات تجمع اللغويين والتربويين والمتخصصين في الذكاء الاصطناعي، بما يضمن مراعاة التطبيقات التقنية لخصائص اللغة العربية وسياقاتها الحضارية والثقافية.
وأشار الفيفي إلى أن مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية يقود جهودا متكاملة لتعزيز حضور العربية رقميا، من خلال بناء البنية التحتية اللغوية والمعرفية اللازمة لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وإعداد المعاجم الرقمية، وإنشاء المدونات اللغوية المقروءة والصوتية الموسومة والمحكمة، التي تشكل قاعدة أساسية لتدريب النماذج اللغوية وتحسين قدرتها على فهم العربية.
كما تشمل جهود المجمع تطوير معايير ومؤشرات علمية لقياس أداء تطبيقات الذكاء الاصطناعي في اللغة العربية، وإعداد مجموعات اختبار مرجعية للمقارنة بين النماذج المختلفة، فضلا عن تطوير تطبيقات معجمية ذكية تعتمد على البحث الدلالي والمعجم العكسي وتصنيف المعاني، وتثري المداخل المعجمية بالصوت والصورة والأمثلة والترجمات.
ويرى خبراء أن تعزيز حضور العربية لا يقتصر على المؤسسات اللغوية، وإنما يمتد إلى التعليم والإعلام والثقافة والبحث العلمي، باعتبارها المجالات الأكثر تأثيرا في إنتاج المحتوى والمعرفة.
ويؤكد الدكتور عبدالحميد مدكور، الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالقاهرة والأمين العام لاتحاد المجامع اللغوية العربية، أن الحفاظ على الهوية يبدأ بتمكين العربية في التعليم والإعلام والثقافة والإبداع، مع الانفتاح على اللغات الأخرى عبر الترجمة ونقل العلوم، دون أن يكون ذلك على حساب اللغة الوطنية.
كما يبرز الإعلام بوصفه أحد أهم روافد بناء المحتوى العربي الرقمي، حيث يشير الدكتور عثمان فكري، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، إلى أهمية إنتاج محتوى عربي موثوق والاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تطوير العمل الإعلامي، مع الحفاظ على المراجعة البشرية والالتزام بالمعايير المهنية.
وفي الاتجاه ذاته، يرى الدكتور محمد حامد عجيلة، أستاذ علم اللغة بجامعة الفيوم، أن توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل المستويات الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية يفتح آفاقا واسعة لحماية الهوية اللغوية وتعزيز حضور العربية عالميا، داعيا إلى توسيع التعاون العربي في مجال رقمنة التراث وتطوير التطبيقات اللغوية.
ويؤكد مختصون أن الثراء البلاغي للعربية، بما يتضمنه من دلالات وسياقات ثقافية عميقة، يمثل تحديا أمام النماذج اللغوية الحديثة، ما يستدعي بناء موارد لغوية عربية عالية الجودة تمكن أنظمة الذكاء الاصطناعي من تجاوز الفهم الحرفي للنصوص إلى استيعاب أبعادها البلاغية والثقافية.
وفي ظل التنافس العالمي على بناء نماذج لغوية وطنية وتعزيز السيادة الرقمية، يشدد الخبراء على أن مستقبل العربية لا يرتبط بحجم المحتوى الرقمي وحده، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة اللغوية والثقافية إلى بيانات منظمة وموثوقة تسهم في تدريب الأنظمة الذكية.
ويشير الدكتور محمد جميح، سفير الجمهورية اليمنية لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، إلى أن محدودية المحتوى العربي مقارنة بعدد مستخدمي اللغة تمثل أحد أبرز التحديات أمام تطوير تطبيقات أكثر كفاءة، فيما يرى الدكتور محمد الجمني، مدير إدارة المعلومات والاتصال بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الألكسو»، أن مستقبل العربية يرتبط بقدرتها على الإسهام في الاقتصاد المعرفي العالمي من خلال تطوير الموارد اللغوية ومعالجة اللغة الطبيعية واللسانيات المقارنة وبناء شراكات بين الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات التقنية.
وفي المجال التعليمي، يؤكد الدكتور إبراهيم بدران، نائب رئيس مجمع اللغة العربية الأردني ووزير التربية والتعليم الأسبق، أن تمكين العربية يبدأ من المدرسة والجامعة قبل أن يمتد إلى الإعلام والفضاء الرقمي، داعيا إلى تعزيز الترجمة والتعريب وتوحيد المصطلحات العلمية بين المجامع اللغوية العربية.
وعلى المستوى التقني، يوضح الدكتور بسام حمو، رئيس المجموعة البحثية المتخصصة في معالجة اللغة الطبيعية العربية وعلوم البيانات بالجامعة الأردنية، أن بناء قواعد بيانات عربية واسعة تشمل الفصحى واللهجات والمصطلحات العلمية سيسهم في تطوير تطبيقات أكثر كفاءة في الترجمة الآلية والتعليم الإلكتروني والتلخيص وتحويل الكلام إلى نص، مع استمرار الحاجة إلى المراجعة البشرية في المجالات المتخصصة.
وفي المقابل، يحذر عدد من المختصين من أن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي ينبغي ألا يؤدي إلى تراجع المهارات اللغوية والإبداعية، مؤكدين أن هذه التقنيات يجب أن تظل أداة مساندة للعقل البشري لا بديلا عنه، وأن مشاركة خبراء اللغة العربية في تطوير التطبيقات الذكية باتت ضرورة لضمان توافقها مع الخصائص اللغوية والثقافية للمجتمعات العربية.
ويجمع الخبراء على أن تحقيق السيادة الرقمية يبدأ من امتلاك البيانات والخوارزميات والموارد اللغوية، وليس المنصات الرقمية وحدها، داعين إلى الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى برامج عربية مشتركة قابلة للقياس، تستثمر في التعليم والبحث العلمي والإعلام والتقنيات اللغوية.
ومع امتلاك العربية إرثا حضاريا يمتد لأكثر من خمسة عشر قرنا، وثروة معجمية تقدر بنحو 12 مليون كلمة، وقاعدة بشرية تتجاوز 400 مليون ناطق، يرى المختصون أن أمامها فرصة تاريخية للانتقال من موقع المتلقي للتقنية إلى موقع الشريك في إنتاجها، إذا توافرت الاستثمارات العلمية والعمل العربي المشترك والمنظومة الرقمية المتكاملة.
ويبقى الرهان الحقيقي على مستقبل العربية في قدرتها على أن تكون لغة فاعلة في إنتاج المعرفة وتطوير التقنيات وصناعة المحتوى، بما يعزز حضورها في منظومة الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي العالمي، ويحافظ في الوقت ذاته على هويتها الثقافية ورسالتها الحضارية للأجيال المقبلة.