داكار – قبل أسابيع من انطلاق دورة الألعاب الأولمبية للشباب «داكار 2026»، تستعد العاصمة السنغالية لاستقبال الحدث الرياضي العالمي بألوان زاهية، بعدما تحولت جدران عدد من شوارعها الرئيسية إلى لوحات فنية مفتوحة، تمزج بين الرياضة والفن والرموز الثقافية والقيم الأولمبية.
وعلى امتداد المسارات الرئيسية في المدينة، تتوزع جداريات ضخمة تستحضر مختلف الألعاب الرياضية، من ركوب الدراجات والتايكوندو والتزلج والجمباز وركوب الأمواج، إلى المصارعة السنغالية والجودو والسباحة، في مشاهد تتداخل فيها صور الرياضيين مع الكلمات والألوان.
وبالقرب من محطة الحافلات السريعة في ساحة الأمة، تتجسد الرياضة والفن في أعمال بصرية تجمع بين الكلمتين في تكوين واحد، فيما يبرز على جدران مبنى هيئة التعليم الإقليمية السابق عدد من الرياضات إلى جانب شعارات وقيم الحركة الأولمبية، وفي مقدمتها الاحترام واللعب النظيف والتسامح والتماسك.
ولا تكتفي الجداريات باستحضار الرياضة، بل تقدم صورة غنية عن الهوية السنغالية، من خلال رموز وتقاليد البلاد، وفي مقدمتها الأسد، الذي يظهر بألوان ونقوش مستوحاة من الجماليات الأفريقية، إلى جانب شجرة الباوباب، والطبل التقليدي «السابار»، ومشاهد الصيادين في زوارقهم، وغيرها من العناصر التي تعكس التراث والثقافة المحلية.
كما تحضر شخصيات ونجوم الرياضة السنغالية في هذه الأعمال، ومن بينهم نجم كرة القدم ساديو ماني، إلى جانب مشاهد لعدائي الحواجز والسباحين ولاعبي الكرة الطائرة وسباقات الخيل، لتشكل جميعها لوحة تجمع بين التقاليد والحداثة.
وتتفاعل هذه الجداريات مع الحياة اليومية لسكان داكار، حيث يتوقف بعض المارة لمشاهدتها، بينما يكتفي آخرون بنظرات عابرة أثناء مرورهم في الشوارع. ويرى عدد من السكان أن الأعمال تضيف بعدًا جماليًا للمدينة، كما يمكن أن تسهم في تعريف الأطفال والشباب بتاريخ بلادهم وثقافتها ورموزها.
وترى فاتو سونكو، وهي معلمة، أن الجداريات يمكن أن تمثل أدوات تعليمية تساعد الأطفال على اكتشاف جزء من تراثهم، فضلًا عن دورها في تشجيع الشباب على ممارسة الرياضة، مؤكدة أن المجتمع السنغالي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالرياضة، ولا سيما كرة القدم والمصارعة وكرة السلة.
وفي الوقت نفسه، تطرح سونكو أهمية الحفاظ على هذه الأعمال بعد انتهاء دورة الألعاب الأولمبية للشباب، داعية إلى صيانتها وإعادة طلاء الجداريات بصورة دورية، حتى لا تفقد بريقها وتظل جزءًا من ذاكرة المدينة.
كما تأمل في أن تسهم المبادرة في اكتشاف المواهب الفنية الشابة، وتشجيع الطلاب والشباب على الاهتمام بالفن الحضري باعتباره مجالًا إبداعيًا يمكن أن يتحول إلى مسار مهني.
ومع اقتراب موعد انطلاق «داكار 2026»، تبدو هذه الجداريات وكأنها رواية بصرية مفتوحة عن السنغال؛ فالأسد يجاور السباح، وشجرة الباوباب تلتقي بالعداء، وطبل السابار يحاور الكرة الطائرة، بينما تستحضر الزوارق والصيادون علاقة البلاد بتاريخها وموروثها البحري.
وبذلك لا تكتفي داكار بتزيين شوارعها استعدادًا للألعاب الأولمبية للشباب، بل تقدم من خلال الفن الحضري صورة عن هويتها الرياضية والثقافية والإبداعية، فيما يبقى الحفاظ على هذه الأعمال بعد انتهاء المنافسات أحد التحديات الأساسية لضمان استمرار رسالتها كجزء من ذاكرة المدينة.