كشف تقرير صادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد، في 16 يونيو 2026، أن سوق الإعلام في نيجيريا، أحد أكبر الأسواق الإعلامية وأكثرها حيوية في أفريقيا، يشهد تحولات متسارعة بفعل انتشار المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع ضغوط اقتصادية ومخاوف بشأن حرية الصحافة وهيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى والتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي.
وأوضح التقرير، الذي أعدته تولولوب أدييمو، أن نيجيريا، التي يبلغ عدد سكانها نحو 238 مليون نسمة، تتمتع بسوق إعلامية واسعة ومتنوعة، تتعايش فيها المؤسسات التقليدية مع المنصات الإخبارية الرقمية الحديثة. وتتصدر الإذاعة عدد المؤسسات الإعلامية، تليها القنوات التلفزيونية، بينما تحتفظ الصحف المطبوعة بتأثيرها رغم تراجع أعدادها مقارنة بوسائل الإعلام الأخرى.
وأشار التقرير إلى حضور مؤسسات دولية مثل «بي بي سي نيوز»، إلى جانب قنوات محلية مثل «Channels Television»، وصحف بارزة منها «The Punch» و«Vanguard»، فيما تتوسع منصات رقمية مثل «Pulse Nigeria» و«Legit.ng»، خصوصًا بين فئات الشباب التي تتجه بصورة متزايدة إلى متابعة الأخبار عبر الهواتف المحمولة وشبكات التواصل الاجتماعي.
حرية الصحافة بين الإصلاحات والمخاوف
ولفت التقرير إلى استمرار المخاوف المتعلقة بحرية الصحافة، رغم تحسن ترتيب نيجيريا في التصنيف العالمي لحرية الصحافة الصادر عن منظمة «مراسلون بلا حدود»، من المركز 122 إلى المركز 112، وفق البيانات الواردة فيه.
وتشمل أبرز التحديات تعرض الصحفيين للمضايقات، واستخدام التشريعات المتعلقة بالجرائم الإلكترونية في قضايا تخص العاملين في المجال الإعلامي. كما أشار التقرير إلى احتجاز عدد من الصحفيين على خلفية اتهامات مرتبطة بهذه التشريعات، رغم التعديلات التي أُدخلت على قانون الجرائم الإلكترونية عام 2024.
واستعرض التقرير حالة الصحفي ماثيو أوجودوما، الذي أُفرج عنه بعد أكثر من تسعة أشهر من الاحتجاز قبل تبرئته من الاتهامات الموجهة إليه، إلى جانب الجدل الذي أثاره إغلاق محطة «Badeggi Radio» بقرار من حاكم ولاية النيجر، وهو ما قوبل بإدانة من جهات صحفية.
وفي السياق ذاته، رفع مشروع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمساءلة «SERAP» تحديًا قانونيًا أمام محكمة العدل التابعة للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا بشأن استخدام قانون الجرائم الإلكترونية. وأشار التقرير إلى أن الحكومة الاتحادية أبدت استعدادًا لمراجعة القانون بالتعاون مع المؤسسات الإعلامية والجمعية الوطنية.
أزمة اقتصادية تهدد المؤسسات الإعلامية
وتواجه المؤسسات الإعلامية النيجيرية ضغوطًا اقتصادية متزايدة، في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع إيرادات الإعلانات والتحديات التنظيمية. وحذرت نقابة المحررين النيجيرية من احتمال تعرض القطاع لأزمة واسعة، داعية إلى اتخاذ تدابير لدعم المؤسسات الإعلامية وتخفيف الأعباء المالية والجمركية على ورق الصحف ومستلزمات البث.
كما تتزايد مخاوف الناشرين من تأثير شركات التكنولوجيا العالمية في نماذج الأعمال التقليدية، مع انتقال جزء من عائدات الإعلانات وحركة الزيارات إلى المنصات الرقمية، واستخدام المحتوى الإخباري في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي دون تعويض مناسب للناشرين، بحسب ما نقل التقرير عن ممثلي القطاع.
ودفعت هذه التطورات المؤسسات الصحفية إلى المطالبة بوضع أطر تنظيمية أكثر وضوحًا للعلاقة بين الناشرين والمنصات التقنية، بما يحمي حقوق المحتوى ويدعم استدامة المؤسسات الإعلامية.
المنصات الرقمية وصنّاع المحتوى يعيدون تشكيل المشهد
وعلى الرغم من التحديات، تشهد نيجيريا نموًا في المؤسسات الإخبارية الرقمية، مع إطلاق منصات جديدة، من بينها «Pinnacle Daily» في أكتوبر 2025، والكشف عن منصة «Agujiegbe Media» في لاجوس خلال سبتمبر من العام نفسه، مع خطط للتوسع مستقبلًا في التلفزيون والإذاعة.
كما يتزايد تأثير صنّاع الأخبار والمؤثرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في ظل الاستخدام الواسع لمنصات مثل «فيسبوك» و«يوتيوب». وأصبحت هذه الفئة تؤدي دورًا في اختيار الموضوعات وتداولها وتوجيه النقاش العام، بما يغير أنماط توزيع الأخبار والتفاعل معها.
وأشار التقرير إلى إطلاق منصة «LekeeLekee» النيجيرية، التي طورها مؤسسو مؤسستي «Arise» و«THISDAY»، بوصفها بديلًا أفريقيًا يستهدف دعم صناع المحتوى وإتاحة فرص مباشرة لتحقيق الدخل، مع التركيز على مفهوم السيادة الرقمية.
وفي المقابل، لا تزال مؤسسات إعلامية تقليدية تنظر إلى المؤثرين باعتبارهم منافسين في أدوار ارتبطت تاريخيًا بالصحافة المهنية، مثل تحديد أولويات النقاش العام واختيار الأخبار. ويبدو الصحفيون الشباب أكثر انفتاحًا على نماذج التوزيع التي تعتمد على المؤثرين، وإن كان ذلك يحدث أحيانًا خارج الأطر التقليدية لغرف الأخبار.
الذكاء الاصطناعي.. تجارب متنامية وضوابط قيد التطوير
ويبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد المجالات التي تشهد تجارب متزايدة داخل المؤسسات الصحفية النيجيرية. فقد أطلق مركز الابتكار والتطوير الصحفي مبادرة «Nigeria AI Collective CSO/Media Advocacy Group»، التي ضمت 33 مؤسسة لدعم الحوكمة المسؤولة للذكاء الاصطناعي.
كما طور المركز الدولي للتقارير الاستقصائية أداة «NativeAI» للمساعدة في التفريغ الآلي والترجمة، مع مراعاة اللهجات واللغات المحلية، فيما قدمت منصة «JournoTECH» أداة «NewsAssist AI» لدعم سير العمل داخل غرف الأخبار.
ورغم تزايد استخدام المحتوى والصور المولدة بالذكاء الاصطناعي في إنتاج الأخبار، لا تزال الأطر الإرشادية الشاملة لاستخدام هذه التقنيات قيد التطوير، في وقت يعتمد فيه كثير من الصحفيين على أدوات مجانية. كذلك تتصاعد المخاوف من توظيف الذكاء الاصطناعي في إنتاج الدعاية والمحتوى المضلل باللغات المحلية.
وخلص التقرير إلى أن الإعلام النيجيري يتحرك ضمن بيئة تجمع بين فرص النمو الرقمي وتطور أدوات الإنتاج من جهة، والتحديات الاقتصادية والتشريعية والتنافسية من جهة أخرى، ما يجعل مستقبل القطاع مرتبطًا بقدرته على حماية استقلالية الصحافة، وتطوير نماذج أعمال مستدامة، ووضع ضوابط مسؤولة لاستخدام التكنولوجيا.