60
بعد أن أصبح جيل جين زد في قلب المشهد الرقمي والاجتماعي، لم يعد الإعلام قادرًا على تجاهل دوره المتنامي ولا تأثيره العميق في صناعة التغيير. هذا الجيل الذي نشأ في عالم متصل دائمًا بالشبكة، لا يتعامل مع الوسائط الإعلامية بوصفها فقط مصدرًا للمعلومات، بل كفضاء للهوية، والتجربة، والمشاركة في الرأي العام. ومن هنا تنشأ ضرورة استكمال النقاش حول كيفية مخاطبته بذكاء وفاعلية.
جيل يبحث عن ذاته في فضاء مفتوح
ينظر جيل جين زد إلى الإعلام كمرآة تعكس الواقع وتطرح الأسئلة، وليس كمنصة لإلقاء التعليمات. فهو جيل يسعى لتكوين رأيه استنادًا إلى تجارب متعددة ومصادر متنوعة. لذلك يميل إلى المنصات التي تتيح له التعبير الحر، مثل “يوتيوب” و”تيك توك” والبودكاست، حيث يمكنه التفاعل الفوري وبناء مجتمعات رقمية تشبه اهتماماته وثقافته.
ولا يكتفي هذا الجيل بالاستهلاك السلبي، بل يشارك في إنتاج المحتوى، ويعتبر نفسه جزءًا من العملية الإعلامية. وهذا يعني أن الإعلام لم يعد سلطة عليا تُخبر، بل شريكًا في النقاش المجتمعي.
إعلام القيم قبل الرسائل
جيل جين زد يتبنى منظومة قيم واضحة: المساواة، العدالة، البيئة، الحرية الفردية، وتمكين الفئات المهمشة. وهي قيم يجب أن تُحترم في كل ما يُقدَّم له. المحتوى الذي يتناقض مع هذه المبادئ أو يحاول الالتفاف عليها يفقد فورًا مصداقيته.
وهنا تبرز أهمية المسؤولية الإعلامية في صياغة خطاب شفاف يتجنب التضليل، ويعرض الحقائق بطريقة بسيطة دون إغفال العمق. فالشباب اليوم يمتلكون أدوات للوصول إلى المعلومة الصحيحة بسهولة، وأي تناقض يسبب خسارة ثقتهم بسرعة.
تجربة إعلامية تفاعلية وليست تلقينية
لكي يخاطب الإعلام هذا الجيل، عليه أن يطوّر أدواته بما يتناسب مع ثقافة السرعة والإبهار البصري. المحتوى القصير، العناوين الجذابة، الرسوم المتحركة، البث المباشر، كلها أدوات أساسية.
لكن الأهم من الشكل هو التفاعل:
•طرح الأسئلة بدل الاكتفاء بالأجوبة
•فتح النقاش بدل إغلاقه
•الاستماع إلى صوت الجمهور بدل تجاهله
الشباب يريد أن يشعر بأن صوته مسموع، وأن رأيه يمكن أن يحدث فارقًا، حتى لو كان صغيرًا.
التحدي الأكبر: الهوية والثقة
في زمن الانفتاح الرقمي، يتعرض جيل جين زد لكمّ هائل من المعلومات والآراء، مما يجعل مسألة بناء الهوية أكثر تعقيدًا. لذلك، فإن الإعلام الذي يدعم الفرد في فهم ذاته وتقبل اختلافه، سيحظى بجمهور وفيّ.
كما أن الثقة لم تعد تُمنح بسهولة. الإعلام الذي يعترف بخطئه، ويبرّر قراراته، ويقدم مصادره، هو الإعلام الذي يكسب احترام الشباب.
خاتمة
إن مخاطبة جيل جين زد ليست مهمة تكميلية بل ضرورة مصيرية للإعلام الذي يسعى للبقاء والتطور. نحن أمام جيل يريد دورًا حقيقيًا في صياغة المستقبل، والإعلام الذي يفهم ذلك سيصبح قوة مؤثرة في بناء غدٍ أكثر وعيًا وحيوية