في إحدى الندوات الجامعية التي حملت عنوان «ماذا يريد جيل Z؟»، وجدت نفسي أمام جيل مختلف، جيل لا يخاف من طرح الأسئلة ولا من مواجهة التحديات، لكنه في العمق يشعر بثقل توقعات المجتمع والأسرة. لقد كان الحوار معهم نافذة تكشف عن عالم متشابك، عالم يصنعه الواقع من جهة والسوشيال ميديا من جهة أخرى، ويقف فيه الشباب بين عالمين متناقضين.
أبرز ما ظهر خلال النقاش هو حالة الضغط النفسي الشديد التي يعيشها الشباب. تحدث الكثيرون عن شبح التنافسية الذي يلاحقهم في كل خطوة؛ في الدراسة، في العمل، وفى المهارات الشخصية. يشعرون أن عليهم دائمًا أن يكونوا «الأفضل»، وأن أي تقصير بسيط قد يقود إلى الفشل. هذه الحالة ليست مجرد تحديات، بل تتحول إلى أزمة نفسية حقيقية تحتاج إلى من يلاحظها ويتعامل معها بجدية.
كما أكد المشاركون أن الانفصال بين صورة الحياة كما تُعرض على الإنترنت وبين الواقع الفعلي يخلق فجوة كبيرة تدفعهم للشعور بعدم الكفاية. فبينما يعيشون صعوبات يومية، يجدون آخرين يعرضون نجاحات فائقة وإنجازات متواصلة، فيتولد إحساس بالضغط والمقارنة وربما الإحباط.
وقد تناول الحوار جانبًا مهمًا يتعلق بدور الأسرة، حيث أكد الطلاب أن التدخل الزائد في حياتهم، سواء في اختيار التخصصات الدراسية أو أسلوب الحياة، يؤدى إلى نتائج عكسية مثل الكبت والعزلة وربما الانحراف. كانوا واضحين بأنهم لا يرفضون النصيحة، بل يرفضون الفرض.
وكان للفتيات حضور مميز في الحوار. فقد تحدثن عن التوقعات الضخمة التي يفرضها المجتمع عليهن، وعن النظرات المستمرة التي تلاحقهن في كل خطوة، وعن صعوبة التوازن بين الدراسة والعمل والحياة الشخصية. كما ناقشن مشكلة التنمر وعدم تقبل المجتمع لأي اختلاف. لكن أكثر ما لمسني كان رفضهن لاستخدام الدين كوسيلة ضغط أو سيطرة، مؤكدات أن الدين رحمة وعدل، وليس أداة لتكميم الأصوات.
ولم يغب عن النقاش موضوع المحتوى الرديء في مواقع التواصل والذي يدفع بعض الشباب لتقليده، مما يعزز الحاجة إلى مسؤولية مجتمعية وإعلامية أكبر.
فى نهاية الندوة، شعرت أن هذا الجيل لا يطلب الكثير. هو فقط يريد أن يُسمع. يريد فرصة ليُفهم قبل أن يُنتقد. يريد مساحة ليعبّر دون خوف، ولينطلق دون قيود تخنق طاقته. ما سمعته جعلني أوقن أن جيل Z ليس جيلًا ضائعًا، بل هو جيل يبحث عن مكانه بصوت واضح وثقة تتحدى الظروف.
نتائج الحوار
١. الحاجة إلى منظومات دعم نفسي جادة داخل الجامعات لمواجهة الضغوط المتزايدة.
٢. ضرورة إعادة التفكير في علاقة الأسرة بالأبناء لضمان مساحة أكبر من الحرية والحوار.
٣. تعزيز الوعي بخطورة المقارنة الرقمية وما تخلّفه من آثار نفسية.
٤. تطوير منظومة إعلامية مسؤولة تجاه المحتوى المقدم للشباب.
٥. تمكين الفتيات ودعم مشاركتهن في اتخاذ القرار ونبذ أشكال التنمر الاجتماعي