في قلب إسطنبول، وبين أزقة حي الفاتح العريق، يقف مسجد صانكي يدم – المعروف عربيًا باسم «مسجد كأنني أكلت» – شاهدًا على قصة إنسانية ملهمة تحوّلت إلى معلم تاريخي خالد.
قصة أمنية تحققت بالصبر
تعود حكاية المسجد إلى القرن الثامن عشر، حين كان أحد سكان الحي – ويُرجَّح أن اسمه خير الدين كتشجي أفندي – يحلم ببناء مسجد يخدم أهل منطقته، رغم ضيق حاله.
وكان كلما اشتهى طعامًا أو حلوى في السوق، قال لنفسه بالتركية: “Yedim sanki” أي «كأنني أكلت»، فيمتنع عن الشراء، ويضع ثمن ما اشتهى في صندوق صغير بمنزله.
واستمر على هذا النهج لسنوات طويلة، حتى جمع ما يكفي لبناء مسجد متواضع المساحة، يتسع لنحو 200 مصلٍ، ويضم قبة رئيسية ومئذنة واحدة. لم يكن المسجد فخمًا، لكنه كان ثمرة إرادة لا تعرف التراجع.
رسالة تتجاوز الجدران
ورغم بساطة تصميمه، يحمل المسجد رسالة عميقة عن قيمة الادخار والزهد، وأهمية تحويل الرغبات العابرة إلى مشاريع نافعة. ويؤكد القائمون عليه أن دوره اليوم لا يقتصر على الصلاة، بل يشمل حلقات تحفيظ القرآن والتلاقي المجتمعي، ما يعزز مكانته كرمز روحي واجتماعي في آنٍ واحد.
وقد تعرض المسجد لأضرار خلال الحرب العالمية الأولى، قبل أن يُرمم عام 1960، ليبقى حاضرًا في ذاكرة المدينة، ودليلًا على أن التضحيات الصغيرة يمكن أن تصنع أثرًا كبيرًا.
إرث إنساني باقٍ
اليوم، وبعد أكثر من قرنين، لا يزال «مسجد كأنني أكلت» يستقطب الزوار بوصفه قصة حيّة عن الصبر والقناعة، تذكّر بأن أعظم الإنجازات قد تبدأ بقرار بسيط يتكرر كل يوم.