هل تحولت بعض برامج البودكاست إلى مصانع للشائعات وإعادة كتابة التاريخ؟!
لا أحد ينكر أن البودكاست أصبح ظاهرة إعلامية عالمية فرضت نفسها بقوة خلال السنوات الأخيرة. فقد منح الجمهور مساحة أوسع للاستماع إلى قصص وتجارب وأفكار ربما لم تكن تجد طريقها إلى وسائل الإعلام التقليدية. لكن مع هذا الانتشار الواسع، ظهرت ممارسات تثير القلق وتطرح أسئلة جدية حول المسؤولية المهنية والأخلاقية لما يُبث عبر هذه المنصات.
المشكلة لم تعد في الوسيلة نفسها، بل في المحتوى الذي يُقدم من خلالها. فالمتابع لبعض برامج البودكاست العربية والمصرية يكتشف أن كثيرًا من الحلقات تحولت إلى جلسات لإعادة سرد تاريخ مصر وفق روايات شخصية، لا تستند إلى وثائق ولا إلى شهادات موثقة، بل إلى ذكريات أو انطباعات أو قصص يرويها ضيف واحد، ثم تُقدَّم للمشاهد باعتبارها حقائق لا تقبل الجدل.
الأخطر من ذلك أن بعض هذه الروايات تتناول أحداثًا وقعت قبل عشرات السنين، ورحل عن الدنيا كل من شارك فيها أو شهدها. فجأة يظهر شخص لم يكن في موقع المسؤولية أو لم يكن قد بلغ سنًا تؤهله لمعايشة تلك الوقائع، ليحدثنا بثقة مطلقة عما جرى خلف أبواب السلطة أو داخل المؤسسات أو في كواليس اتخاذ القرارات المصيرية. والأغرب أن مقدم الحوار لا يسأل عن الدليل، ولا يطالب بوثيقة، ولا يقدم رواية أخرى، وكأن الحلقة تحولت إلى منصة لإعلان الحقيقة المطلقة.
ولم يتوقف الأمر عند الأحداث التاريخية، بل امتد إلى الشخصيات العامة التي رحلت عن الدنيا. فنسمع اتهامات وتلميحات وأحكامًا أخلاقية وسياسية تُلقى على أشخاص أصبحوا بين يدي الله، ولا يملكون الدفاع عن أنفسهم أو تصحيح ما يُنسب إليهم. وهنا يصبح السؤال الأخلاقي مشروعًا: ما قيمة الشجاعة في توجيه الاتهامات إلى من لا يستطيع الرد؟ وأين العدالة عندما يُمنح طرف واحد حق الكلام بينما يغيب الطرف الآخر إلى الأبد؟
والمؤسف أن بعض الضيوف يقدمون أنفسهم وكأنهم شهود العصر وصناع القرار ومستشارو الرؤساء، رغم أن سيرتهم المهنية أو مواقعهم السابقة لا تدعم هذه الصورة. يستمع المشاهد إلى عبارات من قبيل: “الرئيس كان يستشيرني”، أو “كنت أعرف ما يدور في الغرف المغلقة”، أو “أنا الوحيد الذي يعرف الحقيقة”، دون أن يرفق ذلك بمستند أو شهادة موثقة أو دليل يمكن التحقق منه.
في المقابل، تجد أبناء وأحفاد الشخصيات التي يتم تناولها مضطرين إلى خوض معارك قانونية وإعلامية للدفاع عن سمعة ذويهم. ويصبح القضاء أحيانًا هو الجهة الوحيدة القادرة على الفصل بين الحقيقة والرواية، بعد أن فشلت المنصة الإعلامية في أداء دورها الأساسي في التحقق والتدقيق.
هنا يبرز السؤال الأكبر: أين الضمير المهني؟ وأين حق الرد؟ وأين ميثاق الشرف الصحفي؟ وهل لأن المحتوى يُبث عبر الإنترنت أصبح معفيًا من قواعد المهنة التي تحكم الصحافة والإعلام منذ عقود؟
إن حرية التعبير لا تعني حرية اختراع الوقائع، والحق في الحوار لا يعني منح المنصة لأي رواية دون تمحيص. فالتاريخ ليس ملكًا لأصحاب الأصوات الأعلى، ولا تُكتب ذاكرة الأمم بعدد المشاهدات والإعجابات. وإذا استمرت بعض برامج البودكاست في التعامل مع التاريخ والشخصيات العامة باعتبارها مادة لإنتاج الجدل والضجيج، فإننا سنجد أنفسنا أمام جيل يتلقى معلوماته من روايات فردية متناقضة، لا من حقائق موثقة.
وعندها لن يكون السؤال: ماذا حدث في الماضي؟ بل كيف سمحنا بتحويل التاريخ إلى محتوى للتريند، وتحويل الشائعة إلى مادة إعلامية تتصدر المشهد تحت فئة البودكاست