بعد سبعة عقود على انعقاده، تستعيد جامعة السوربون في باريس إرث المؤتمر الأول للكتاب والفنانين السود، الذي عُقد في الفترة من 19 إلى 22 سبتمبر 1956، بمشاركة نحو 100 مفكر من أفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة ومنطقة الكاريبي، لمناقشة قضايا الثقافة الأفريقية السوداء وتحدياتها.
واستضاف مدرج ديكارت بجامعة السوربون فعاليات المؤتمر، الذي جاء امتدادًا لسلسلة من المؤتمرات الأفريقية التي نظمت في بدايات القرن العشرين في لندن ونيويورك وبروكسل ومانشستر، وشكل محطة بارزة في تاريخ الفكر والثقافة المناهضة للاستعمار والعنصرية.
وجاء المؤتمر بدعوة من أليون ديوب، مؤسس ومدير مجلة ودار نشر «بريزنس أفريكين»، الذي أكد في كلمته الافتتاحية أن الهدف من اللقاء يتمثل في تأكيد ثقافة الشعوب السوداء والارتقاء بها وإبراز قيمتها، مشددًا على مبدأ إنسانية البشر جميعًا وحقهم في الاحترام والكرامة، بصرف النظر عن مواقعهم الجغرافية أو ظروفهم.
وشارك في المؤتمر عدد من أبرز المثقفين والباحثين والفنانين، إلى جانب دعم وتعاطف شخصيات أوروبية بارزة، من بينها أندريه جيد، وجان بول سارتر، وألبير كامو، وثيودور مونو، وروجر باستيد، وباسيل ديفيدسون، وميشيل ليريس، وجورج بادمور. كما أسهم الفنان الإسباني بابلو بيكاسو في دعم المؤتمر من خلال رسم لوحة لرجل أسود استخدمت في ملصقه الرسمي.
وتنوعت موضوعات جلسات المؤتمر بين علم الاجتماع والأدب والشعر والجغرافيا البشرية والثقافة والدين والاستعمار. ومن بين أبرز المشاركين الذين قدموا عروضًا ومحاضرات بول هازومي، وليوبولد سيدار سنغور، وأمادو هامباتي با، وإدوارد أندريانتسيلانلاريفو، وهوراس مان بوند، وتوماس إيكولو، وعبد الله واد، وجان برايس مارس، والشيخ أنتا ديوب.
كما كان للكاتب والطبيب والمناضل فرانز فانون حضور فكري بارز خلال المؤتمر، حيث تناول في عرضه «العنصرية والثقافة» محاولات تبرير العنصرية، وانتقل إلى بحث آثارها الثقافية، معتبرًا أن العنصرية تمثل جزءًا من منظومة أوسع من القمع المنهجي للشعوب، وما يترتب عليها من تدمير للقيم الثقافية وأنماط الحياة.
من جانبه، تناول الشاعر والمفكر إيمي سيزير العلاقة بين الثقافة والاستعمار، معتبرًا أن الوضع الاستعماري يمثل قاسمًا مشتركًا بين شعوب ومجتمعات متنوعة شاركت في المؤتمر، داعيًا إلى استعادة صوت الشعوب وبناء ثقافة جديدة تتجاوز آثار الماضي وتجمع بين القديم والجديد.
وفي ختام المؤتمر، تأسست الجمعية الأفريقية للثقافة (SAC)، بهدف توحيد المثقفين في العالم الأسود من خلال روابط التضامن والصداقة، والمساهمة في تهيئة الظروف الملائمة لازدهار ثقافاتهم، إلى جانب التعاون في تطوير الثقافة العالمية.
وتحولت الجمعية لاحقًا إلى الجماعة الثقافية الأفريقية (CAC) عام 2006، وواصلت نشاطها في تأكيد الثقافات الوطنية والدفاع عنها وإثرائها، وتعزيز احترام حقوق الإنسان والمساواة في الحقوق الاقتصادية، بعيدًا عن التمييز على أساس العرق أو الدين.
وأكدت قرارات المؤتمر الأول أهمية مواصلة النضال من أجل إلغاء النظام الاستعماري والقضاء على العنصرية، داعية المثقفين السود وجميع أنصار العدالة إلى توحيد الجهود من أجل إحياء الثقافات السوداء وازدهارها، وترسيخ احترام حقوق الإنسان وحقوق الشعوب والأمم.
وعُقد المؤتمر الثاني للكتاب والفنانين السود في العاصمة الإيطالية روما خلال الفترة من 26 مارس إلى الأول من أبريل 1959، وخلص إلى عدد من التوصيات، من بينها تنظيم فعالية تبرز الثراء والتنوع الثقافي للعالم الأسود، وهو ما أسهم لاحقًا في إطلاق المهرجان العالمي للفنون السوداء في داكار عام 1966، ومهرجان فيستاك في لاغوس عام 1977.
وبمناسبة مرور 70 عامًا على المؤتمر الأول، تنظم «بريزنس أفريكين» والجماعة الثقافية الأفريقية، خلال الفترة من 17 إلى 19 سبتمبر الجاري في جامعة السوربون، فعاليات لإحياء الذكرى، تشمل الكشف عن لوحة تذكارية، وإقامة معرض، وتنظيم لقاءات وندوة تستعيد الإرث الفكري والثقافي للمؤتمر.
وتؤكد «بريزنس أفريكين» أن الذكرى السبعين تمثل فرصة لإعادة النظر في الإرث الفكري والثقافي لمؤتمر 1956، وبحث مدى صدى أفكاره ونضالاته وطموحاته لدى الأجيال الجديدة.