باريس – في قلب الضاحية الجنوبية للعاصمة الفرنسية باريس، يقف مسجد إيفري كوركورون الكبير شامخًا بطرازه الأندلسي وزخارفه المستلهمة من الفن الإسلامي العريق، ليغدو أحد أبرز الشواهد على حضور الحضارة الإسلامية في فرنسا، وواحدًا من المعالم المصنفة ضمن التراث الثقافي الوطني الفرنسي.
ويقع المسجد في مدينة إيفري التابعة لبلدية كوركورون ضمن إقليم إيسون، على بعد نحو 26 كيلومترًا جنوب باريس، ويمتد على مساحة تقارب 7 آلاف متر مربع. وُضع حجر أساسه عام 1984 بعد حملة تبرعات استمرت أربع سنوات، ليفتتح رسميًا عام 1994، ويعد اليوم من أقدم وأكبر مساجد فرنسا، ومن أكبر مساجد أوروبا بعد المسجد الكبير في روما ومسجد بيت الفتوح في لندن.
ولا يقتصر دور المسجد على إقامة الصلوات والشعائر الدينية، بل يشكل مركزًا ثقافيًا إسلاميًا متكاملاً يشرف على اتحاد مساجد فرنسا الذي يضم نحو 800 جمعية ومسجد، وينظم برامج علمية ودروسًا فقهية وندوات فكرية يشارك فيها علماء وباحثون من مختلف الدول العربية والإسلامية.
ويضم المركز الثقافي الإسلامي بإيفري مدرسة لتعليم اللغة العربية تُعرف باسم “مدرسة الهدى”، تتكون من 9 فصول دراسية بطاقة استيعابية تبلغ 25 طالبًا في كل فصل، إلى جانب قاعة مؤتمرات واسعة ومكتبة غنية بالمراجع والكتب في العلوم الشرعية والتراث الإسلامي.
وصُمم المسجد على يد المهندس الفرنسي هنري بودو بطراز أندلسي عربي إسلامي، تتجلى فيه الزخارف الدقيقة والخط الكوفي في تزيين القبة والمحراب، فيما ترتفع مئذنته ذات الطابع المغاربي إلى 25 مترًا، لتصدح منها تلاوة القرآن وتكبيرات العيد.
وفي عام 1996، صدر مرسوم رسمي يمنح المسجد صفة هيئة دينية مخولة بالإشراف على الذبح الإسلامي ومراقبة المحلات التي تعتمد اللحوم الحلال في فرنسا.
وخلال شهر رمضان المبارك، يزداد إشعاع المسجد ليغدو فضاءً مفتوحًا للتضامن والتعايش، حيث ينظم يوميًا أكثر من 350 وجبة إفطار، أي ما يقارب 10500 وجبة طيلة الشهر، تقدم للمحتاجين والمهاجرين وعابري السبيل دون أي تمييز ديني، في تجسيد حي لقيم الرحمة والتكافل.
وأكد الشيخ خليل مرون، عميد المسجد، في تصريحات لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، أن المسجد يستقبل يوميًا في رمضان أكثر من 5 آلاف مصلٍ في صلاة التراويح، مع تزايد ملحوظ في أعداد الشباب وأبناء الجيلين الثالث والرابع من المهاجرين، ما يعكس تمسكهم بهويتهم الدينية والثقافية.
وتشير إحصائيات 2025 إلى وجود 2670 مسجدًا في فرنسا، منها 462 مسجدًا في باريس وضواحيها، فيما يقدر عدد المسلمين في فرنسا ما بين 5.7 و6.7 مليون نسمة، أي نحو 8 إلى 10 بالمئة من إجمالي السكان.