أكد الأستاذ الدكتور عمرو الليثي، رئيس اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي (أوسبو)، أن التحدي الذي يواجه الاتحاد بعد نحو نصف قرن على تأسيسه لم يعد يتمثل في استمرار المؤسسة التي تجمع هيئات البث في 57 دولة، وإنما في إعادة صياغة دورها بما يتناسب مع التحولات المتسارعة التي تشهدها صناعة الإعلام.
وأوضح الليثي، في حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»، أن التحول الرقمي أصبح ضرورة وليس خيارًا، مؤكدًا أن عصر التلفزيون التقليدي الذي يفرض محتواه على الجمهور قد انتهى، وأن المستقبل للمحتوى القادر على الوصول إلى الجمهور عبر المنصة التي يفضلها وبالشكل الذي يتناسب مع عادات المشاهدة الجديدة.
وأشار رئيس الاتحاد إلى أن ملفات الاستقرار المالي، والتحول الرقمي، والتدريب وبناء القدرات، وتطوير التبادل الإخباري، والحوكمة والتطوير المؤسسي تصدرت أولويات العمل خلال فترة رئاسته، لافتًا إلى تأسيس أكاديمية الاتحاد للتدريب الإعلامي لتطوير مهارات الإعلاميين في الدول الأعضاء.
استقرار مالي واستعادة المستحقات
وكشف الليثي عن نجاح الاتحاد في تحصيل نحو 1.77 مليون دولار من مستحقات مالية متأخرة، كان بعضها يُصنف ضمن الديون شبه المعدومة، مؤكدًا أن هذه الخطوة جاءت نتيجة التواصل المباشر مع المؤسسات الأعضاء، إلى جانب تطوير الخدمات التي يقدمها الاتحاد.
وأضاف أن الاتحاد تمكن، في إطار تفعيل أنظمة الإدارة والرقابة والحوكمة، من إدارة فائض مالي يقدر بنحو 5 ملايين دولار، مع الحفاظ على رأس المال وتحقيق عائد متوسط يتراوح بين 3.8 و4.2 في المائة.
وأكد أن تحقيق الاستدامة المالية يمثل أساسًا لتنفيذ مشروعات الاتحاد وتقديم خدمات أكثر كفاءة للهيئات الأعضاء.
من التبادل الإخباري إلى شبكة إعلامية متكاملة
وأوضح الليثي أن الاتحاد قطع شوطًا في تطوير منظومة التبادل البرامجي والإخباري بين الدول الأعضاء، لكنه أكد أن الطموح يتجاوز مجرد إنشاء منصة لتبادل المحتوى.
وقال إن الاتحاد يستهدف بناء شبكة إعلامية متكاملة تستفيد من الانتشار الجغرافي لمؤسساته في 57 دولة، بما يسمح بسرعة تبادل الأخبار والصور والتقارير والمحتوى، ويمنح المؤسسات الأعضاء قدرة أكبر على تقديم روايتها ومحتواها للعالم.
وأشار إلى أن مشروع «الكلاود الإخباري» يمثل أحد أبرز مشروعات المرحلة المقبلة، مع التوسع في تشغيله خلال عام 2027، ليكون خطوة نحو إنشاء فضاء إعلامي مشترك بين المؤسسات الأعضاء.
«لا ينبغي أن نحارب المنصات»
وفي حديثه عن مستقبل التلفزيون، أكد الليثي أن التلفزيون لا يموت، وإنما تتغير طريقة مشاهدته واستهلاك محتواه.
وقال إن الشباب يريد السرعة والتفاعل والمحتوى المختصر والوصول إلى المعلومات في أي وقت ومن أي مكان، ولذلك يجب أن يتحول التلفزيون من مجرد شاشة إلى منتج محتوى متعدد المنصات.
وشدد على ضرورة عدم التعامل مع منصات مثل تيك توك وإنستغرام ويوتيوب باعتبارها منافسًا يجب محاربته، وإنما باعتبارها منصات ينبغي أن يكون الإعلام حاضرًا فيها بمحتوى مهني وجذاب وموثوق.
الذكاء الاصطناعي «فرصة ذهبية»
ووصف الليثي الذكاء الاصطناعي بأنه «فرصة ذهبية للإعلام والصحافة لو أحسن استخدامه»، لما يوفره من أدوات متقدمة في البحث والتحليل والترجمة وإدارة البيانات وإنتاج المحتوى.
وفي المقابل، شدد على ضرورة ألا يحل الذكاء الاصطناعي محل المسؤولية المهنية والإنسانية للصحفي، مؤكدًا أن المصداقية تظل أساس العمل الإعلامي، مهما تطورت الأدوات والتقنيات.
وأشار إلى اهتمام الاتحاد بأخلاقيات العمل الإعلامي وإصداره ميثاق الشرف الإعلامي، لمساعدة الإعلاميين على التعامل مع التحديات التي تفرضها التحولات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
فلسطين حاضرة في عمل الاتحاد
وأكد رئيس الاتحاد أن فلسطين تظل في صدارة القضايا التي تحظى باهتمام الاتحاد، موضحًا أن دوره لا يقتصر على بيانات التضامن، وإنما يشمل دعم وصول الرواية الفلسطينية إلى المؤسسات الإعلامية في الدول الأعضاء، وتبادل الأخبار والمواد التي توثق الأحداث، وإبراز الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون، والاستفادة من شبكة الاتحاد في إيصال صوتهم إلى العالم.
«أريد أن أترك الاتحاد أقوى مما تسلمته مصر»
وشدد الليثي على أن ما تحقق من إنجازات هو نتاج عمل جماعي ومنظومة مؤسسية متكاملة، مؤكدًا أنه لا يريد أن يرتبط نجاح الاتحاد بشخص، وإنما بثقافة مؤسسية مستدامة.
وقال إنه يقبل أن تتم محاسبته بالأرقام، من خلال ما تم استرداده من مستحقات، وما تحقق من وفر وفائض مالي، وعدد الإعلاميين الذين تم تدريبهم، والمشروعات التي أطلقت، ومدى التحول الرقمي، وحجم التعاون بين الدول الأعضاء.
وأكد أن هدفه أن يقال في نهاية فترة رئاسة مصر للاتحاد: «إن مصر عندما تولت رئاسة الاتحاد تركته أقوى مما تسلمته».
خطة طموحة لعام 2027
واختتم الليثي حديثه بالتأكيد على أن الاتحاد يستعد لدخول عام 2027 بخطة تتضمن مشروعات كبرى، في مقدمتها تشغيل وحدة الكلاود الإخباري، والتوسع في نشاط أكاديمية التدريب الإعلامي، وتدعيم المكاتب الخارجية.
وأكد أن الهدف النهائي يتجاوز بناء منصة تقنية إلى إنشاء فضاء إعلامي مشترك يسمح للدول الأعضاء بتبادل الأخبار والصور والتقارير والمحتوى بسرعة وكفاءة، ويعزز حضور إعلام دول منظمة التعاون الإسلامي على الساحة الدولية