يشهد قطاع الإعلام تحولات متسارعة بفعل التطور المتنامي في تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تجاوز تأثيرها حدود الأدوات التقنية المساندة إلى إعادة تشكيل مسارات العمل الصحفي والإعلامي، بدءًا من إنتاج المحتوى وتحليل البيانات، وصولًا إلى تسريع النشر وتوسيع نطاق التأثير في الجمهور.
وفي ظل هذه التحولات، تتزايد التساؤلات بشأن طبيعة الأدوار الجديدة التي تفرضها هذه التقنيات داخل المؤسسات الإعلامية، وحدود قدرتها على دعم الصحفي وتطوير أدائه، وما إذا كانت ستعيد رسم بعض الوظائف التقليدية، في وقت تتنامى فيه تحديات الدقة والمصداقية والمسؤولية المهنية.
وفي تحقيق لوكالة الأنباء السعودية «واس»، أكد إعلاميون وخبراء أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل تهديدًا حتميًا لصناعة الإعلام، بقدر ما يفرض تحولًا عميقًا في طبيعة الممارسة الصحفية، مشددين على أن الاستفادة من إمكاناته تظل مرتبطة بالرقابة البشرية والتحقق والشفافية.
وأوضح الإعلامي والمدرب في الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي مهند سليمان النعيمي من مملكة البحرين، أن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على تنفيذ عدد من المهام الروتينية، مثل صياغة الأخبار العاجلة وتحليل البيانات وتلخيص المحتوى، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الصحفي في المهام الجوهرية المرتبطة بالحس التحريري وبناء المصادر وفهم السياقات السياسية والاجتماعية واتخاذ القرارات الأخلاقية.
وأشار إلى أن تزايد المحتوى المضلل الناتج عن تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تسارع النشر على حساب الدقة، يمثلان تحديين رئيسيين أمام المؤسسات الإعلامية، فضلًا عن تعرض بعض الوظائف الصحفية التقليدية، ولا سيما المرتبطة بالمهام الروتينية، للتراجع أو الاستبدال.
ولفت إلى أن المؤسسات الصحفية تواجه كذلك ضغوطًا نتيجة تراجع نماذج الإيرادات التقليدية، وتزايد الاعتماد على منصات التكنولوجيا، ومخاطر تآكل الهوية التحريرية بسبب تشابه المحتوى المنتج باستخدام الأدوات ذاتها.
من جانبه، أوضح عضو هيئة التدريس بقسم الإعلام في جامعة الملك سعود مشعل الوعيل أن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود التقنية، بل في استخدامها دون ضوابط، بما قد يحوّل غرف الأخبار من مؤسسات تنتج المعرفة والتحقق والسياق إلى جهات تعيد تدوير نصوص وصور ومقاطع سريعة منخفضة التكلفة وضعيفة المسؤولية.
وشدد على أن التوجه المهني والمؤسسي يقوم على اعتبار الذكاء الاصطناعي أداة مساندة، وليس بديلًا عن الحكم التحريري البشري، مع ضرورة الالتزام بالشفافية والرقابة البشرية والمساءلة.
وفي السياق ذاته، أشارت المعدة والمحررة ومقدمة الأخبار والبرامج في وكالة الأنباء العمانية انتصار بنت حبيب الشبلية إلى أن الذكاء الاصطناعي أسهم في تسريع عمليات البحث وجمع المعلومات، وإتاحة الوصول إلى كميات كبيرة من البيانات والمصادر خلال وقت قياسي، إلى جانب المساعدة في التلخيص والتدقيق اللغوي وصياغة النصوص والتحليل الأولي للبيانات.
وأضافت أن هذه الأدوات تختصر الجهد وتمنح الصحفي مساحة أكبر للتركيز على الجوانب الإبداعية والتحليلية، لكنها حذرت في المقابل من أن الإفراط في الاعتماد عليها قد يؤدي إلى تراجع الحس النقدي وإنتاج محتوى يفتقر إلى الخصوصية والعمق الإنساني، مؤكدة أن مسؤولية التحقق من المعلومات تظل على عاتق الصحفي.
وحول إمكانية الاستغناء عن الصحفي في ظل تطور هذه التقنيات، قال الوعيل: «يمكن الاستغناء عن جزء من المهام الروتينية للصحفي، لكن لا يمكن استبدال الصحفي المهني كاملًا إذا كانت المؤسسة تريد صحافة حقيقية».
وأوضح أن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكنها المساعدة في التفريغ والترجمة وتلخيص الوثائق والبحث الأولي واقتراح العناوين وفرز البيانات وإعداد المسودات، لكنها لا تمتلك المسؤولية القانونية أو الحس الأخلاقي أو القدرة البشرية الكاملة على تقدير المصلحة العامة وفهم السياق المحلي وبناء المصادر.
وأكد أن المؤسسات الإخبارية التي تتيح مساحة للتجريب تشدد على ضرورة انطلاق المحتوى من عمل الصحفي وخضوعه للتحرير والمراجعة، والتعامل مع مخرجات الذكاء الاصطناعي باعتبارها مواد أولية غير موثقة تحتاج إلى التحقق قبل النشر.
مخاطر التزييف الرقمي وتحديات المصداقية
ومع اتساع استخدامات الذكاء الاصطناعي، تتصاعد المخاوف المرتبطة بالتزييف الرقمي والحسابات الآلية التي تحاكي السلوك البشري، فضلًا عن الأدوات القادرة على إنتاج صور ومقاطع فيديو ومقالات مضللة، بما قد يثير الرأي العام ويقوض الثقة ويهدد استقرار المجتمعات.
وحذر النعيمي من أن القدرة على إنتاج صور ومقاطع فيديو مزيفة بجودة عالية، إلى جانب استخدام الحسابات الآلية، باتت تمثل تهديدًا لمنظومة الثقة في المجتمع ولدور الإعلام بوصفه مصدرًا موثوقًا للمعلومة.
وأوضح أن هذه التقنيات تتيح نشر محتوى مضلل خلال وقت قياسي، بما قد يسهم في توجيه الرأي العام بصورة مصطنعة وإثارة البلبلة، فضلًا عن خلق انطباع زائف بوجود إجماع أو توجه شعبي معين من خلال الحسابات الآلية المنظمة.
وشدد على أن الاعتماد الكلي على أدوات الذكاء الاصطناعي دون مراجعة بشرية قد يؤدي إلى تجاوز السياسات التحريرية ونشر مواد غير دقيقة أو غير متوازنة، بما يهدد جودة المحتوى ومصداقية المؤسسة على المدى الطويل.
وأكد أن الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات يقتضي قصر دورها على المساندة في البحث والتحليل وإعداد المسودات، مع الالتزام بالمراجعة التحريرية والتدقيق قبل النشر، والإفصاح الواضح عند استخدام محتوى مولد تقنيًا، وعدم نشر أي مادة مولدة دون التحقق منها أو توظيف تقنيات التزييف البصري والصوتي لتضليل الجمهور.
ودعا إلى تطوير تشريعات رادعة للتزييف الضار، وتعزيز قدرات الرصد التقني، ورفع الوعي المجتمعي بأهمية التحقق من المحتوى قبل تداوله، إلى جانب استثمار المؤسسات الإعلامية في وحدات متخصصة للتحقق من الأخبار وتدريب الكوادر الصحفية على أدوات كشف التزييف الرقمي.
من جهته، أشار الوعيل إلى أن مخاطر التزييف العميق والصور ومقاطع الفيديو المولدة بالذكاء الاصطناعي تتجاوز حدود الخطأ الصحفي إلى تهديد المجتمع والأمن المعلوماتي والثقافي والوطني، موضحًا أن هذه التقنيات قد تستخدم في تلفيق التصريحات وتشويه السمعة وإثارة الذعر والتأثير في الرأي العام وإرباك الجمهور خلال الأزمات.
وتطرق إلى مفهوم «عائد الكذب» (Liar’s Dividend)، الذي يعني أن انتشار التزييف العميق يجعل حتى المواد الحقيقية عرضة للإنكار، إذ يمكن لأي طرف متهم الادعاء بأن التسجيل أو الفيديو مفبرك.
وأشار إلى تصنيف المنتدى الاقتصادي العالمي التضليل والمعلومات المضللة ضمن أبرز المخاطر قصيرة الأجل عالميًا للعام الثاني على التوالي، لافتًا إلى أن معايير مثل C2PA تستهدف تعزيز شفافية مصدر المحتوى وتوثيق سجل التعديلات التي تطرأ عليه.
كما حذر من أن الحسابات الآلية لا تقتصر خطورتها على تزوير المحتوى، بل قد تمتد إلى تزوير الانطباع العام من خلال تضخيم الوسوم أو خلق وهم بوجود تأييد شعبي واسع أو مهاجمة الصحفيين والمنصات الإعلامية، بما يؤدي إلى تشويه المجال العام الذي تتشكل فيه الآراء والقرارات.
وأضاف أن من أبرز المخاطر داخل المؤسسات الصحفية تحول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى ما وصفه بـ«صحفي صامت» ينتج ويختصر ويقترح دون مراجعة بشرية صارمة، وهو ما يفتح المجال أمام المعلومات غير الدقيقة والسياقات المبتورة والتحيزات اللغوية والسياسية، فضلًا عن احتمال تسرب بيانات حساسة عبر الأدوات الخارجية.
وأكد أن مخرجات الذكاء الاصطناعي يجب أن تظل مواد أولية غير موثقة، مع بقاء المسؤولية النهائية على المحرر والمؤسسة، محذرًا من تآكل الدقة وتجانس المحتوى وتسارع النشر على حساب التثبت، بما قد يضعف الهوية التحريرية والخبرة المهنية المتراكمة داخل غرف الأخبار.
مستقبل العمل الإعلامي
وفي استشرافه لمستقبل المهنة، أكد النعيمي أن المؤسسات الإعلامية مطالبة بالتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساندة تعزز الجودة والكفاءة، لا بديلًا عن العنصر البشري، مشيرًا إلى أن الميزة التنافسية ستظل للمحتوى العميق والموثوق القادر على تقديم قيمة حقيقية للجمهور.
وأوضح أن الحكومات لم تعد تؤدي دورًا تنظيميًا فقط، بل أصبحت شريكًا في تشكيل مستقبل الإعلام من خلال وضع تشريعات ومعايير واضحة للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، وبناء بنية تحتية رقمية تدعم استقلالية القرار الإعلامي وتحد من الاعتماد على الحلول الخارجية.
وفي هذا الإطار، أشار إلى تجربة «مختبر المبدعين للذكاء الاصطناعي» في مملكة البحرين، الذي أطلقته وزارة الإعلام وأسهم في تدريب أكثر من 5000 صحفي وإعلامي بحريني وخليجي وعربي.
وأضاف أن المؤسسات الإعلامية مطالبة بإعادة هندسة نماذجها التشغيلية، ودمج العمل التحريري بالحلول التقنية، والاستثمار في تدريب الكوادر على صحافة البيانات وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بما يضمن توظيف هذه الأدوات دون الإخلال بجوهر العمل الصحفي القائم على الدقة والعمق.
من جانبها، أكدت انتصار بنت حبيب الشبلية أنها لا تؤيد الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي، بل تراه شريكًا تقنيًا يمكن الاستفادة منه ضمن إطار مهني واضح، مع بقاء العقل الصحفي والخبرة الميدانية والقدرة على قراءة السياق عناصر لا يمكن استبدالها.
وأضافت أن الثقة في الذكاء الاصطناعي تظل مشروطة باعتباره أداة داعمة، لا مصدرًا نهائيًا أو وحيدًا للمعلومة، موضحة أن الصحافة تقوم في جوهرها على التحقق والمساءلة وبناء الرواية المتكاملة، وهي مسؤولية إنسانية قبل أن تكون تقنية.
وقالت إن الذكاء الاصطناعي ساعدها على توفير الوقت والجهد، لكنه لا يستطيع أن يحل محل البعد الإنساني الذي يشكل جوهر العمل الصحفي، والقائم على القراءة والاجتهاد المستمر والتطوير والخبرة المهنية المكتسبة من العمل الميداني.
وفي تجارب الاستخدام العملي، أوضح الصحفي وكاتب المحتوى السعودي مشاري خلف أن أدوات الذكاء الاصطناعي أسهمت في تسريع إنجاز المواد وتخفيف الجهد المبذول في جمع المعلومات الأولية، ودعم عمليات التحليل والصياغة، بما يرفع كفاءة العمل الصحفي.
وأشار إلى أنها توفر مسارًا أسرع للوصول إلى المعلومات ذات الصلة، وتساعد على تنظيم البيانات وتحويلها إلى مؤشرات ومقارنات أكثر وضوحًا، بما يدعم بناء قصص صحفية أكثر تماسكًا، مع ضرورة التحقق من كل مصدر على حدة قبل النشر.
وأضاف أن هذه الأدوات تتيح زوايا صياغية بديلة وتساعد في مراجعة الفقرات وتحسين المفردات وبناء الجمل، دون أن تلغي صوت الكاتب أو خصوصية معالجته الصحفية.
بدوره، أوضح المدرب في الأخبار المتخصصة جعفر العمري من المملكة الأردنية الهاشمية أنه يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في بعض مراحل العمل الصحفي، خصوصًا مراجعة المواد بعد جمع المعلومات وتنظيم الأفكار وتدقيق الصياغة.
وأكد أن الرجوع إلى المصادر التقليدية، مثل المراجع الأكاديمية والمكتبات والدراسات المتخصصة، يظل أساسيًا في إعداد التقارير والتحقيقات التي تتطلب عمقًا وتوثيقًا أكبر، محذرًا من أن الإفراط في الاعتماد على الأدوات الذكية قد يؤدي إلى تكرار الأساليب والقوالب، بما يجعل الحفاظ على البصمة التحريرية والتميز المهني ضرورة.
وخلص التحقيق إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح واقعًا مؤثرًا في صناعة الإعلام، يفرض إعادة تعريف دور الصحفي ومهاراته، دون أن يلغي جوهر المهنة القائم على الحس التحريري وبناء المصادر وفهم السياقات واتخاذ القرارات الأخلاقية.
وتظل الاستفادة من هذه التقنيات مرهونة بتوظيفها بوصفها أدوات مساندة، ضمن إطار من الشفافية والرقابة البشرية والمساءلة المهنية، إلى جانب سياسات استباقية وتشريعات واضحة واستثمار مستدام في الكفاءات والبنية التقنية، بما يحفظ الثقة ويصون الوعي العام ويعزز مصداقية الإعلام.