في قلب الرياض، يقف جامع الإمام تركي بن عبدالله – المعروف بالجامع الكبير – شامخًا كأحد أبرز المعالم الدينية والتاريخية في المملكة، مجسدًا روح الإرث الحضاري العريق، وشاهدًا على تحولات العاصمة منذ نشأة الدولة السعودية الثانية وحتى حاضرها المزدهر.
يُنسب بناء الجامع إلى الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود، مؤسس الدولة السعودية الثانية، الذي شيده خلال فترة حكمه (1240هـ – 1249هـ / 1824 – 1834م) ليكون مركزًا للعبادة والتعليم، ومقرًا للصلوات الجامعة والخطب الرسمية، مستلهمًا الدور العلمي الذي اضطلعت به المساجد في الدولة السعودية الأولى. وقد أُقيم على أرض تُعرف بـ”النقعة” وسط الرياض، ليكون قريبًا من قصر الحكم والأحياء المحيطة، ما عزز مكانته منبرًا لنشر العلوم الشرعية ومركزًا للحياة الدينية.
وفي عهد الإمام فيصل بن تركي بن عبدالله آل سعود شهد الجامع توسعات مهمة، إذ أُعيد بناؤه وزيدت سعته شرقًا وغربًا، وزُيّن بزخارف إسلامية مميزة مزجت بين الأصالة والتجديد، كما أُنشئ ممر علوي يربطه بقصر الحكم، إلى جانب مساقٍ جديدة وممر مغطى يصل بين المسجد والقصر، في تجسيدٍ لرمزيته السياسية والدينية آنذاك.
ومع توحيد المملكة العربية السعودية، حظي الجامع باهتمام خاص من الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، الذي ربطه بقصر الحكم عبر جسر يسهل الوصول إليه، واعتنى بإنارته وتطويره، لتتواصل العناية به في العهود اللاحقة، حتى انتقل من البناء التقليدي المشيد بالطين واللبن إلى مبنى حديث بمواد إنشائية متطورة.
وفي عام 1413هـ / 1993م، شهد الجامع إعادة تشييد شاملة بإشراف الهيئة الملكية لمدينة الرياض ضمن مشروع تطوير منطقة قصر الحكم، حيث بُني من وحدات خرسانية سابقة الصب، وكسيت جدرانه بحجر الرياض والرخام الأبيض، وصُمم سقفه ببلاطات خرسانية تحاكي المرابيع الخشبية القديمة، مع تجهيزه بوسائل البث التلفزيوني والإذاعي المباشر.
ويمتد الجامع اليوم على مساحة تقارب 16.8 ألف متر مربع، ويتسع لنحو 17 ألف مصلٍ، ويضم مصلى رئيسًا للرجال وآخر للنساء، وساحة خارجية واسعة، ومكتبتين، وسكنًا للإمام والمؤذن، إضافة إلى مكاتب للأجهزة ذات الصلة، وتعلوه منارتان بارتفاع 50 مترًا استُلهم تصميمهما من روح العمارة النجدية التقليدية.
وقد تعاقب على إمامته عدد من كبار العلماء، منهم الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، ما عزز مكانته العلمية والدينية في المجتمع السعودي.
ويظل جامع الإمام تركي بن عبدالله معلمًا يجمع بين عبق الماضي وحداثة الحاضر، ورمزًا لهوية وطنية راسخة، تتجدد ملامحها مع كل مرحلة من مراحل تطور الرياض والمملكة.