في ظل الحروب والأزمات المتلاحقة، تبرز الكتابة كفعل إنساني مقاوم، يحاول من خلاله الكُتّاب الحفاظ على الذاكرة في مواجهة النسيان، ونقل التجربة الإنسانية رغم قسوة الواقع. ففي ملف نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية بعنوان «الكتّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، عبّر عدد من الأدباء عن معاناتهم مع الكتابة في زمن النزاعات، مؤكدين أنها باتت ضرورة مؤلمة لا يمكن الاستغناء عنها.
وقال طالب الرفاعي إن الكتابة أصبحت «عبئًا لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها»، مشيرًا إلى أن الكاتب يجد نفسه بين خيارين قاسيين: الصمت الذي يُعد خيانة، أو الكتابة التي تعجز أحيانًا عن مواكبة حجم المأساة.
من جانبه، استعاد شريف مجدلاني تجربته في توثيق يوميات بيروت، مؤكدًا أن الحرب لا تدمّر المباني فقط، بل تهدم أيضًا المعنى الداخلي للحياة، فيما يتحول الكاتب إلى شاهد يحاول إنقاذ تفاصيل الحياة اليومية البسيطة من الاندثار.
وفي سياق فلسفي، كان فالتر بنيامين قد أشار منذ عقود إلى أن الحروب تُفقد الإنسان قدرته على رواية تجربته، معتبرًا أن الجنود يعودون من ساحات القتال «أكثر فقرًا في نقل ما عاشوه»، وهو ما يعكس أزمة حضارية عميقة تتجدد اليوم.
أما محمود درويش فقد جسّد هذه الحالة في قصيدته «حالة حصار»، حين عبّر عن الوجود الإنساني تحت الحصار بعبارته الشهيرة «كن حاضرًا في غيابك»، في تصوير دقيق لفقدان السيطرة على المكان والهوية.
وفي غزة، وثّق عاطف أبو سيف يوميات الحرب، مؤكدًا أن الكتابة كانت وسيلته للتأكد من أنه ما زال حيًا وسط مشهد الموت اليومي، فيما حملت كتاباته تفاصيل المعاناة الإنسانية من داخل الميدان.
وفي أوكرانيا، اختار سيرهي جادان أن يجمع بين القلم والسلاح، مؤكدًا أن الكلمات تصبح عاجزة أمام عنف الواقع، بينما أقرّ أندريه كوركوف بأن الحرب دفعته للتحول إلى التوثيق الصحفي بدل الكتابة الروائية.
وفي السياق الإيراني، ترى آذر نفيسي أن الكتّاب، سواء داخل البلاد أو في المنفى، يؤدون دور «شهرزاد»، يروون القصص كي يبقوا أحياء، فيما عبّرت ليلى أعظم زنكنه عن التمزق الذي يعيشه كتّاب الشتات بين الخوف من الصمت والخوف من خيانة الحقيقة.
وتكشف هذه الشهادات أن الكتابة في زمن الحرب ليست مجرد فعل إبداعي، بل ضرورة وجودية تحفظ الذاكرة الإنسانية من المحو، وتُبقي على قدرة الإنسان في تسمية الأشياء ورواية ما حدث، باعتبارها الحد الفاصل بين البقاء والاندثار.
الكتابة في زمن الحرب.. صوت الذاكرة في مواجهة الصمت
9