ناقش الملتقى التنسيقي الخامس للمؤسسات السعودية المعنية باللغة العربية، الذي ينظمه مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، في جلسته الأولى موضوع «السياسة اللغوية في المجتمعات المعاصرة: المفاهيم والمرتكزات، مع قراءة في مدينة الرياض»، ضمن محور «الإطار المفاهيمي والتحليلي للسياسة الوطنية للغة العربية».
ويأتي الملتقى في إطار بحث سبل الانتقال من الإطار التنظيمي للسياسة الوطنية للغة العربية إلى تفعيلها على المستوى المؤسسي.
وتناول أستاذ اللسانيات الاجتماعية بكلية اللغات وعلومها في جامعة الملك سعود، ورئيس تحرير مجلة «اللسانيات العربية» الصادرة عن المجمع، الدكتور ناصر بن عبدالله بن غالي، مفهوم السياسة اللغوية باعتبارها منظومة تتجاوز القرارات والتشريعات الرسمية إلى الممارسات اللغوية في المؤسسات والحياة اليومية، موضحًا أن جوهرها يتمثل في كيفية توزيع المكانة والوظائف بين اللغات داخل المجتمع.
وأوضح أن السياسة اللغوية تستند إلى ثلاثة مرتكزات رئيسة، تشمل شمولها للتشريعات والممارسات، والنظر إلى اللغة بوصفها موردًا اجتماعيًا ترتبط مكانته ووظائفه بالهوية والفرص والاقتصاد والقيمة الرمزية، إلى جانب التعامل مع الواقع اللغوي باعتباره عملية ديناميكية تتشكل من تفاعل الدولة والمؤسسات والأفراد والإيديولوجيات.
وتطرقت الورقة إلى مدينة الرياض بوصفها نموذجًا حضريًا للتحول اللغوي، في ظل تأثير عوامل عدة، من أبرزها الهجرة التي أسهمت في تنوع اللغات والموارد اللغوية، والتحضر وما صاحبه من تفاعل بين اللهجات، والاقتصاد الذي عزز الوظيفة المهنية للغة الإنجليزية، فضلًا عن الرقمنة التي أسهمت في مزج الموارد اللغوية وإعادة تشكيل جوانب من الهوية.
كما استعرضت الورقة تطور مفهوم السياسة اللغوية عبر أربع مراحل، بدأت بالمرحلة التخطيطية التي ركزت على تنظيم اللغة وتقنينها، ثم المرحلة الاجتماعية التي اهتمت بالممارسة والهوية، فالمرحلة النقدية التي تناولت قضايا السلطة والعدالة، وصولًا إلى المرحلة المعاصرة التي تنظر إلى السياسة اللغوية بوصفها تفاعلًا بين السياسات والممارسات والمعتقدات والإيديولوجيات.
وتناولت الجلسة مستويات عمل السياسة اللغوية، بدءًا من المستوى الكلي المرتبط بتشريعات الدولة وسياساتها العامة، مرورًا بالمستوى المؤسسي في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام والإدارة، وانتهاءً بالمستوى الجزئي المرتبط باختيارات الأفراد وممارساتهم اليومية، مع التأكيد على التأثير المتبادل بين هذه المستويات.
وأكدت الورقة في ختامها أن التحدي لا يتمثل في البحث عن نموذج لغوي أفضل بصورة مطلقة، وإنما في تحديد النموذج الأكثر ملاءمة لخصوصية المجتمع واحتياجاته وتحولاته.