الإعلام رسالة سامية، ودوره الأساسي أن يبني الوعي، ويعزز الانتماء، ويحمي المجتمع من الشائعات والانقسام. لكن عندما يتخلى عن رسالته، ويجعل الإثارة هدفًا، والمشاهدات غاية، يتحول إلى أحد أخطر أدوات تأجيج الفتن بمختلف صورها.
فمن أخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم الإعلام السلبي، الذي لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يعيد تقديمها بصورة تثير الغضب، وتصنع الاستقطاب، وتدفع الناس إلى الانقسام بدلاً من الحوار.
وتأتي الفتنة الطائفية في مقدمة هذه المخاطر، عندما تتعامل بعض المنابر الإعلامية مع أحداث فردية باعتبارها صراعًا بين طوائف أو أديان، فتستخدم عناوين مستفزة، وتستضيف أصواتًا متشددة، فيتحول حادث محدود إلى أزمة تهدد وحدة المجتمع، بينما يكون الوطن هو الخاسر الأكبر.
و قد تمتد الفتنه الطائفية لتساهم في الفتنة الرياضية فالرياضة وجدت لتقريب الشعوب وغرس قيم المنافسة الشريفة، لكن بعض البرامج الرياضية تتجاوز حدود النقد الموضوعي إلى الإساءة للاعبين والمدربين، وإثارة التعصب بين الجماهير. وقد تابعنا خلال منافسات كأس العالم كيف تحولت بعض المنصات إلى ساحات للهجوم الشخصي والخوض في أمور تؤثر على الحالة النفسية للاعبين، في وقت يحتاجون فيه إلى الدعم لا إلى حملات التشكيك والتجريح.
أما الفتنة الاجتماعية، فتظهر عندما تنحاز بعض البرامج إلى طرف على حساب آخر في القضايا المجتمعية، أو تقدم نماذج فردية وكأنها تعبر عن المجتمع كله، فتثير الخلافات بين فئات المجتمع بدلاً من البحث عن حلول متوازنة تحافظ على التماسك الاجتماعي.
ويبقى أخطر أشكال الإعلام السلبي هو ما نشهده من تناول إعلامي لقضايا لا تزال منظورة أمام القضاء. فبعض البرامج تناقش تفاصيل القضايا، وتستضيف من يصدرون أحكامًا بالإدانة أو البراءة، متجاهلة أن القضاء وحده هو صاحب الاختصاص، وأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم نهائي. والأخطر أن هذه التغطيات تخلق رأيًا عامًا قد يسبق أحكام القضاء، بما يتعارض مع مبادئ العدالة وسيادة القانون.
إن احترام القضاء ليس واجبًا قانونيًا فقط، بل مسؤولية إعلامية وأخلاقية، لأن العدالة لا تُصنع في الاستوديوهات، وإنما داخل قاعات المحاكم.
ولا شك أن وجود قوانين منظمة، وأكواد مهنية، وضوابط للعمل الإعلامي أمر ضروري، لكنني أؤمن بأن الحل الحقيقي يبدأ قبل القانون وقبل اللوائح، وهو ضمير الإعلامي.
فالضمير المهني هو الرقيب الأول، وهو الذي يدفع الإعلامي إلى تحري الدقة، واحترام الحقيقة، وتقديم المصلحة الوطنية على أي سبق صحفي أو نسبة مشاهدة. وهذه المسؤولية لا تقع على المذيع وحده، بل تمتد إلى فريق الإعداد، ورئيس التحرير، وكل من يشارك في صناعة الرسالة الإعلامية.
إن أوطاننا تحتاج اليوم إلى إعلام يبني ولا يهدم، يجمع ولا يفرق، ويطفئ نيران الفتن بدلاً من إشعالها. فالكلمة قد تكون سببًا في أزمة، لكنها أيضًا قادرة على حماية وطن بأكمله، إذا خرجت من ضمير مهني حي يؤمن بأن الإعلام رسالة قبل أن يكون مهنة.