شدد مدير إدارة البحوث والدراسات والموسوعات بمجمع الفقه الإسلامي الدولي، الدكتور عبد الفتاح محمود أبنعوف، على أهمية تحصين الشباب من الأفكار المنحرفة والأيديولوجيات المحرضة على التطرف والعنف، وتعزيز قيم الوسطية والاعتدال والحوار والتعايش، مؤكدًا أن الشباب يمثلون قوة المجتمعات وثروتها الحقيقية ومستقبلها.
جاء ذلك خلال مشاركته في الجلسة الثالثة من البرنامج التدريبي الدولي لمنظمة التعاون الإسلامي حول «الشباب والدبلوماسية الثقافية وتنمية مهارات القيادة»، المنعقد بمقر الأمانة العامة للمنظمة، والتي خصصت لاستعراض جهود عدد من هيئات المنظمة في مجال الدبلوماسية الثقافية للشباب.
وأوضح أبنعوف أن مرحلة الشباب تحظى بعناية كبيرة في الإسلام، باعتبارها مرحلة القوة والنشاط والحيوية والعطاء، مشيرًا إلى أن ازدهار الأمم والمجتمعات يرتبط بحسن استثمار طاقات الشباب وتوجيهها نحو البناء والتنمية.
وأكد أن حماية الشباب تقتضي المحافظة على العقل وتنميته والارتقاء بقدراته، باعتباره مصدر الإبداع والفكر، محذرًا من أن توظيف العقل بعيدًا عن الأسس المنهجية والضوابط العلمية قد يؤدي إلى فساد التفكير وسوء الفهم وتبني الأفكار المنحرفة.
وبيّن أن من أبرز المخاطر التي تهدد الشباب الشبهات والشهوات، موضحًا أن تغذية العقول بالأفكار المنحرفة والفهم المغلوط قد تقود إلى التكفير والإرهاب والعنف، فيما تسهم المخدرات والمسكرات والسلوكيات الضارة في تدمير العقول وإضعاف القيم والأخلاق.
وأكد أن مجمع الفقه الإسلامي الدولي، باعتباره المرجعية الفقهية لمنظمة التعاون الإسلامي، يضطلع بدور مهم في معالجة التحديات الفكرية والاجتماعية المعاصرة، من خلال الاجتهاد الجماعي في القضايا المستجدة وتقديم الحلول المستندة إلى الشريعة الإسلامية ومقاصدها.
وأشار إلى أن المجمع تناول في مؤتمراته وندواته العلمية قضايا التطرف والعنف والإرهاب والتسامح والحوار، وأصدر بشأنها قرارات وتوصيات تقوم على الوسطية والاعتدال، وتتناول أسباب هذه الظواهر وسبل مواجهتها.
وشدد أبنعوف على أهمية نشر قيم التسامح والوسطية ونبذ التعصب والغلو، وتعزيز الحوار القائم على الاحترام المتبادل بين أتباع مختلف الأديان والثقافات، والاستفادة من أساليب الإقناع والحوار بالحسنى.
كما استعرض عددًا من قرارات المجمع ذات الصلة، مؤكدًا تحريم جميع أشكال الإرهاب وممارساته واعتبارها أعمالًا إجرامية، مع ضرورة معالجة الأسباب المؤدية إليها، وفي مقدمتها الغلو والتطرف والتعصب والجهل بأحكام الشريعة، إلى جانب معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي قد تسهم في تفاقم هذه الظواهر.
ولفت إلى توصيات المجمع بشأن إدراج قيم التسامح في المناهج التعليمية والتربوية، وتضمين الخطاب الديني والإعلامي هذه القيم، والاستفادة من وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في تقديم المعرفة الإسلامية الراشدة وتصحيح الصور النمطية المغلوطة عن الإسلام.
وتطرق إلى قرار المجمع المتعلق بمفهوم الجهاد، موضحًا أن الأصل في علاقة الأمة المسلمة بغيرها من الأمم هو السلم، وأن سبب القتال في الإسلام هو العدوان وليس المخالفة في الدين، مشيرًا إلى دعوة المجمع لإعداد مناهج دراسية توضح حقائق الإسلام في العلاقات الدولية في السلم والحرب.
وأكد أهمية التربية الدينية في تعزيز السلام، ومراجعة مناهج التعليم الديني بما يرسخ قيم السلام والحوار والتعايش، إلى جانب إعداد الدراسات والأبحاث التي تعزز الوسطية والاعتدال، وإنشاء مراكز بحثية تسهم في الرد العلمي على دعوات الغلو والتكفير.
وأشار إلى أن المجمع طور شراكات استراتيجية مع مؤسسات علمية ومجامع فقهية في الدول الإسلامية والمجتمعات المسلمة حول العالم، من خلال اتفاقيات التعاون ومذكرات التفاهم، بما يعزز التكامل العلمي والمعرفي.
وفي ختام كلمته، دعا أبنعوف إلى تكامل الجهود العلمية والفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية لترسيخ ثقافة الحوار والتسامح والتعايش واحترام الآخرين، وحماية الحريات العامة وحقوق الإنسان، ورفض جميع أشكال العنف والتطرف والتعصب والعنصرية.
وأوضح أن المجمع يواصل بحث هذه القضايا وترسيخها في المجتمعات بالدول الأعضاء، مشيرًا إلى أن من بين موضوعات الدورة السابعة والعشرين لمؤتمر مجلس المجمع، المزمع عقدها في ماليزيا، موضوع «فقه التعايش في الإسلام: أسسه وضوابطه وتحدياته وآفاقه»، على أن تصدر عن الدورة قرارات مجمعية بشأن الموضوعات المطروحة بعد مناقشتها علميًا.